عندما كنت في مثل سنك
لكن لماذا يتفاخر الآباء أمام الأبناء بما ليس عندهم؟ لا يشك أحد في نوايا الآباء الطيبة، فهم يتمنون أن يصبح أبناؤهم أفضل منهم، ويريدون في الوقت نفسه أن يكونوا "قدوة حسنة" حتى لو اضطرهم الأمر إلى تأليف قصص لا وجود لها. الغاية نبيلة لكن وسائل تحقيقها خاطئة. أما حين يتحدث الآباء عن ظروفهم المعيشية الصعبة، فليس في ذلك أية مبالغة. لم تكن وسائل العيش ميسرة كما هي عليه الآن. ففي حين كان الأب يقطع الأميال سيرا على قدميه للوصول إلى مدرسته أو مكان عمله، يحصل الابن هذه الأيام على سيارة عند، أو قبل، بلوغ السن القانونية للقيادة. كان الآباء قديما يحلون واجباتهم المدرسية على ضوء مصابيح الكيروسين وفي أجواء غير مريحة، أما اليوم فيراجع الابن دروسه على ضوء مصباح كهربائي وفي غرفة أنيقة مكيفة، وفيها كثير من وسائل الراحة. وقس على ذلك بقية المعطيات المادية الأخرى التي حرم منها الجيل السابق. بعد عقود سيعيد الأب من هذا الجيل تشغيل اسطوانة "عندما كنتُ في مثل سنّك" لأبنائه. وسيضيف عليها بعض التوابل والبهارات لتبدو الصورة أبهى وأزهى. والأب في هذه الحال لا يكذب لكنه يتجمل. وبين الكذب والتجمل خط لا يكاد يرى بالعين المجردة! اسطوانة "عندما كنتُ في مثل سنّك" ليست إنتاج بيئة ثقافية واحدة. ففي كل ثقافات العالم يُسمع الآباءُ أبناءهم تلك الاسطوانة. ولعل من المناسب، هنا، أن أختم هذا المقال بالنكتة التالية: سأل الجدُّ حفيدَه: "يا ولد، كم ميلا تقطع يوميا لتصل إلى مدرستك؟" يجيب الحفيد: "حوالي نصف ميل"، فيتفاخر الجد: "عندما كنتُ في مثل سنّك كنت أقطع ثمانية أميال سيرا على الأقدام"! ويضيف: "وكيف هي درجاتك؟" فيجيب الولد: "أحصل على جيد". فيقول الجد: "عندما كنتُ في مثل سنّك كنت أحصل على ممتاز"! ثم يتساءل: "يا ولد.. هل سبق وأن تشاجرت مع أحد"؟ فيجيب الحفيد: "مرتين.. وقد هزمني الولد الذي تشاجرت معه" فيعلق الجد: "عندما كنتُ في مثل سنّك كنت أتشاجر يوميا"! وتبلغ النكتة ذروتها عندما يسأل الجد: "يا ولد.."كم عمرك الآن؟" فيرد الحفيد: "9 سنوات" فيعلق الجد: "عندما كنت في مثل سنك كان عمري 11 سنة" (!!)