محمد العلي

كن عدوًا لذاكرتك

أنت لم تمتلئ ذاكرتك بالمفاهيم والقيم والأفكار.. باختيارك.. بإرادتك.. بوعيك الفردي.. انها انقضت عليك انقضاضا من منابع عديدة.لذا حين تريد معرفة نفسك لابد ان تسألها: ما هذا الذي يملأ هذا الخزان الواسع المسمى الذاكرة؟ وكيف اتصرف فيه موقفا وسلوكا بحيث ارى نفسي فيه؟سؤال ستتعبك الاجابة عليه: لأن ما في الذاكرة من مخزونات لم يأت من منبع واحد.. بل أتى من منابع مختلفة بل متناقضة.أولا: جاءت من زمنك ومكانك.ثانيا: من تريبتك.ثالثا: من مدرستك.رابعا: من مجتمعك.والسؤال هو: أين انا من كل هذه المنابع؟ هنا سوف يلوح لك ديكارت بيده اليمنى قائلا: الغ ذاكرتك كلها.. ولكن هل بإمكان الفرد حتى لو كان ديكارت نفسه ان يمحو ذاكرته؟ كلا فإلغاء الذاكرة لا يكون بالارادة.. كل ما تستطيع الإرادة فعله هو التوقف عند هذه الفكرة او تلك موقفا يتحول الى اسئلة قد تفضي الى الشك.ديكارت حاول الاستدلال على الوجود بالفكر.. بالمجرد على المحسوس.. وهذا نكران لأكثر البديهيات سطوعا وهي نكران المعرفة الحسية.يقول الفيلسوف مروة:«مذهب ديكارت يلغي كل ما اكتسبه الوعي البشري على مدى تاريخه الطويل من معارف.. ان هذا الالغاء مستحيل لأن تلك المعارف اصبحت من المكونات التاريخية للوعي».د. حسين مروة – النزعات ج ا ص 269.اذا كان الغاء ما في الذاكرة مستحيلا واذا كان العداء لها صعودا الى جبل ينحدر منه السيل.وإذا كانت معرفتنا لأنفسنا متوقفة على هذا العداء.. فما هو السبيل المضيء في هذه الغابة الشائكة؟يبدو انه لا طريق سوى الاسئلة.. فاذا استطاع فكر او رأي أو مبدأ ان يصمد امام هبوب الاسئلة الموجهة اليه من منطلق انساني متجاوز للذات.. فهو جدير بالبقاء في الذاكرة والتأثير في الاعتقاد والسلوك والمواقف اما اذا انحنى امام الاسئلة ذاتها متصدعا من سهامها فإلغاؤه حينذاك يكون حتميا.هل باستطاعة كل فرد ان يتحمل هذا العبء؟طبعا لا.. الذي يستطيعه افراد من المجتمع.. وحين يقتنع به المجتمع بعد كفاح من هؤلاء الافراد يصبح قناعة عامة وسلوكا عاما.. وبهذا تتطور المجتمعات ويغرس الضوء لها اجنحته.