خليل الفزيع

عبدالله بن خميس.. المقيم في الذاكرة

منذ فجعتني الأخبار بوفاة المغفور له باذن الله الأديب الشاعر عبدالله بن خميس كما فجعت أهله وتلاميذه ومعارفه، وانا أحاول الكتابة عن هذه القامة الشامخة، التي رسخت جذور محبتها في أعماق القلوب، وامتدت ظلال إبداعاتها حتى لم يعد من السهل على أي كاتب أن يختار أي جانب من جوانب حياته العملية أو العلمية أو الأدبية أو الاجتماعية، وكلها له منها رصيد وافر،

حيث امتلأت صفحات حياته بجليل الأعمال، وأريحية المواقف، وشفافية القول والعمل، وكل ذلك يستند إلى ثقافة أصيلة، وإبداع متميز، وشجاعة أدبية لا تعرف المهادنة أو التردد، ومعرفة متعمقة بشئون الحياة والناس، وما ذلك سوى محصلة طبيعية لثقافة دينية واسعة وعميقة، وانتماء عربي أصيل ومتجذر، وكلما أمسكت بالقلم تزاحمت الأفكار والخواطر، وتواترت الذكريات والمواقف، وهو الرائد الذي لا يمكن ان يذكر الرواد في بلادنا إلا ويذكر اسمه على رأس قائمة هؤلاء الرواد في مجالات الصحافة والشعر والأدب، ولنا أن نعرف حجم المعاناة ونوع المكابدة التي يتحملها من يصدر مجلة في ذلك الزمن، إذا عرفنا قلة المطابع وشح مصادر التمويل من الإعلان والتوزيع، وهي مغامرة لم يقدم عليها إلا ذوو العزم من الرجال، الذين عشقوا الأدب، وآمنوا بقدرته على خدمة الحياة.وعبدالله بن خميس في جوانبه الإنسانية.. ما خاب من لجأ إليه في أمر يقضيه.. أو شفاعة لدى أصحاب القرار، ولم يبخل على من يقصده في أمر.. بدافع الحاجة، أو الرغبة في المشورة، فلا يهنأ له بال حتى يحقق ما يراد منه من عامة الناس قبل خاصتهم، وساعده على ذلك ما توفر له من ثقة المسئولين، وهي الثقة التي تمت ترجمتها عمليا عندما أسندت إليه بعض الوظائف العليا في الدولة. عندما أصدر مجلة (الجزيرة) والتي تحولت فيما بعد إلى جريدة في ظل نظام المطبوعات الصحفية، بدأت كتاباتي الصحفية تظهر في هذه المجلة، التي احتضنت عددا من الكتاب الذين كان لهم ـ بعد ذلك ـ شأنهم في تاريخ الصحافة والأدب في بلادنا، وله علي فضل كبير، في مواقف كان لها تأثيرها الإيجابي على حياتي العملية، ولم يبخل علي بالمشورة في أمر من أمور العمل والثقافة،، كلما لجأت إليه في أمر من تلك الأمور.. فلم أجد منه سوى الأبوة الحانية، والتوجيه الكريم، وعندما انتقلت للعمل في قطر مع بداية السبعينيات الميلادية، أمدني بالكثير من المقالات التي نشرتها في مجلة (العهد) التي أنشأتها آنذاك مع أحد الاخوة القطريين، واتسمت مقالاته تلك بموقف عروبي واضح، تجاه كل القضايا الساخنة في تلك الفترة، وكان يكتب تحت اسم (كاتب عربي)، وقد وقف مع كثيرين من تلاميذ مجلة (الجزيرة)، وساعدهم في كثير من الأمور، وانتصر لهم في مواقف صعبة.

عبدالله بن خميس في جوانبه الإنسانية.. ما خاب من لجأ إليه في أمر يقضيه.. أو شفاعة لدى أصحاب القرار، ولم يبخل على من يقصده في أمر.. بدافع الحاجة، أو الرغبة في المشورة، فلا يهنأ له بال حتى يحقق ما يراد منه من عامة الناس قبل خاصتهم، وساعده على ذلك ما توفر له من ثقة المسئولين.ولم يكن كغيره من شعراء جيله الذين حاربوا الشعر النبطي، فقد اهتم بالشعر الشعبي، ودرسه بعمق، وأصدر كتابا ما زال يعتبر مرجعا هاما عن الشعر الشعبي في الجزيرة العربية، كما ألف عن بعض رموز الشعر الشعبي، رغم انتمائه للشعر التقليدي الذي شكل رواده سدا منيعا في وجه الشعر الشعبي، لكن ابن خميس الذي كان أفقه منفتحاً على مختلف انواع الإبداع، روى وكتب ودرس الشعر الشعبي، بشكل غير مسبوق، وهو الذي قدم لديوان الشعر العربي الفصيح قصائد تعتبر من عيون الشعر العربي المعاصر، لجزالة لفظها وقوة سبكها وأناقة كلماتها، وبذخ إيحاءاتها الشعرية المترفة، وكأنما المتلقي يقرأ لشاعر من العصور الذهبية للشعر العربي.. عندما كان متألقا وساطعا في سماء الإبداع..وعبدالله بن خميس أستاذ جيل تخرجت على يديه نخبة من أدبائنا الذين علمهم في المعهد العلمي بالأحساء، ثم عندما أصبح مديرا لكلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، وكانت أحاديثه وبرامجه الإذاعية مدرسة يحرص على متابعة دروسها الكثيرون من طلاب الأدب، وتعد مؤلفاته التي زادت على العشرين، في الدراسات التاريخية والدراسات الأدبية والدراسات الشعرية، من المراجع الهامة للدارسين والباحثين في هذه المجالات. كانت حياة ابن خميس حافلة بالعطاء الثقافي المتنوع، والمتعدد الجوانب، مما يضمن له البقاء في ذاكرة الأدب العربي المعاصر، باعتباره واحدا من أبرز رموز هذه الثقافة، وما رحيله إلا إلى البقاء في ذاكرة الأجيال، فقد رحل ليقيم في الذاكرة التي لا تحفظ سوى أصحاب الأسماء الكبيرة، ممن أثروا في جيلهم وسيؤثرون في الأجيال القادمة، رحم الله ابن خميس، وألهم ذويه وأحبابه الصبر والسلوان، «إنا لله وإنا إليه راجعون»..