د. خالد الحليبي

تقود .. أو لا تقود !

مرة أخرى يتجرأ صيادو الأزمات فيغمسون سناراتهم الصدئة في نهر الوطن الجاري بالحب والمثل والأمان، ليصطادوا أملا من آمالهم، ويستهدفوا رغبة من رغائبهم، ففي الوقت الذي يشتعل فيه عدد من البلدان حوالينا بارودا ونارا، وتضطرب شعوبا وحكاما، كان يجب أن نتمسك بما يلمُّ شملنا، ونسعى فيما يقرب وجهات نظرنا، ونقترب من قادتنا وعلمائنا، كان يجب ألا ننبش جُرحا غائرا، قد يثعب دما بمجرد ملامسته، كان يجب أن نؤخر كل ما يباعد بيننا، ويوسع الفجوة بين أطيافنا، هذا إذا كنا نؤمن بأهمية التلاحم داخل بلادنا، في وقت تتمزق فيه جاراتها، أعادها الله إلى السكينة والأمان. هذا ما أفهمه عن مصطلح (المواطنة) عملا وسلوكا، لا جعجعة لا نرى فيها طِحْنا.هل هذه الطريقة التي سلكتها فلانة الفلاني؛ لا أهمية للاسم هنا، فهو دور يمكن أن تقوم به أية امرأة يُغرَّرُ بها، وتُدفعُ لتكونَ ضحيةَ قوم يريدون تحقيق مآربهم من خلالها (كما أشارت هي). أيا كانت هذه الضحية، هل الطريقة المثلى للتعبير عن أي مطلب هي التظاهر ولو كان فرديا؟ وإلا ما معنى أن تقود السيارة بشكل علني، وتسعى لتقابل صحفية، وتصور وتنشر صورها؟ هل إثارة الرأي العام، وجلب الأنظار إليها هما الطريق الصحيح لإجبار القرار الحكومي على النزول إلى الواقع الذي صنعته؟ وهل ما صنعه أكثر من ستين كاتبا في مظاهرة صحفية واسعة النطاق شملت معظم الصحف المحلية هي الطريقة الصواب لاستصدار قرار لايزال معظم المجتمع يرفضه؟ ماذا يعني أن تقود المرأة السيارة أو لا تقود؟! هل تعد هذه قضية مصيرية؟ هل ستنال المرأة كل حقوقها إذا حولناها إلى سائقة شاحنة، أو تاكسي، أو توصيل؟ أو حتى أضفنا عبئا جديدا إلى أعبائها المنزلية فحملناها تبعة توصيل الأولاد، أو شراء المستلزمات المنزلية؟ وحرمناها من آخر فرصة للقاء بالرجل الهارب من المنزل؟ ماذا تبقى لمثل هذا الرجل الذي يمثل السواد الأعظم من رجال مجتمعنا؟ على المرأة أن تودع أباها أو ابنها أو زوجها نهائيا بمجرد تسلمها مقود السيارة؟ فإذا كنا قد فِضْنا ألمًا من قصص الحرمان الأبوي والزوجي من شكاوى البنات والزوجات، بسبب بعد الرجل عن بيته، وقضاء معظم وقته في الاستراحات والسفرات، فإن المتوقع أن تتفصم عرى الأسرة تماما لو أخذت المرأة هذا الدور أيضا، ولا تسأل عما يحدث اجتماعيا، بل وأمنيا بعد ذلك.أين هؤلاء من جرائم التحرش الجنسي ضد البنات؟ وجرائم العضل؟ وجرائم الضرب والإهانة والتهميش الذي تعيشه المرأة في بعض فئات المجتمع السعودي؟ أين هم حين تعلق المرأة سنين؟ وحين تحرم من الميراث وتجبر على التنازل عن حقها؟ أو على الخلع؟ وحين يعقها ولدها ويرميها في المستشفى ويهرب؟ أين هم من الأزواج اللصوص الذين ينهبون عرقها وراتبها؟إن هؤلاء يتناسون أننا نعاني تراجعا أخلاقيا يُخشى من اتساع مصابه لو قادت المرأة السيارة، فإذا كانت حالات المعاكسات وما هو أكثر من ذلك بدأت ترتفع، كما تقول الأرقام السنوية التي تصدر عن أجهزة وزارة الداخلية، والسيارة في يد أحد الطرفين، فماذا لو كانت في يد كلا الطرفين؟إن الذين يتحدثون عن مائة ألف سائق، ويظنون أنهم سيختفون تلقائيا واهمون، إن أكثرهم لم يوجدوا لأن المرأة لا تقود، بل لمآرب أخرى. فالسائقون في دول الخليج أكثر من المملكة (نسبيا) مع أن المرأة هناك متاح لها أن تقود السيارة نظاما.من كان يحب هذا الوطن فعليه أن يترجم حبه له بتمسكه بثوابته، ودينه، وأعرافه