خليل الفزيع

عبدالرحمن العبيد .. ومواقف لا تنسى

برحيل المؤرخ والأديب الشاعر عبدالرحمن بن عبدالكريم العبيد، فقدت المنطقة الشرقية أحد أعلامها البارزين الذين عملوا على خدمتها في مجالات عديدة من خلال أعماله الأدبية ومشاركاته الفعالة في بعض اللجان والمؤسسات الرسمية والأهلية ذات العلاقة بخدمة المجتمع، وأسهم بجهد كبير في مجال الدعوة الإسلامية، والعمل التطوعي في بعض المؤسسات الخيرية، وقد كان من أوائل الداعين لإنشاء النادي الأدبي بالمنطقة حتى تحقق حلمه، وعين رئيسا لهذا النادي الذي شهد في عهده حراكا ثقافيا لافتا في زمن خلت فيه المنطقة من أي مؤسسة ثقافية أخرى، واستطاع أن ينقل نشاط النادي إلى محافظات أخرى في المنطقة ليكون قريبا من المثقفين في أماكن تواجدهم، وحظي الشباب برعاية كبيرة من النادي حينها ..  من خلال إصدار أعمالهم الإبداعية، إلى جانب كبار الأدباء والمثقفين، وكذلك تنظيم الدورات التعليمية المجانية لهم في مجال اللغة العربية والشعر العربي والخطابة المنبرية، ومنحهم شهادات تثبت مشاركتهم في تلك الدورات، كما نظم النادي العديد من المسابقات الثقافية للناشئين في الشعر والقصة والنقد، وخصص لها مكافآت مجزية، وشارك النادي في كل المناسبات الوطنية والمحلية حتى وإن لم تكن أدبية، وسعى جاهدا لإصدار معجم الأدب والأدباء بالمنطقة الشرقية، لكن تقاعس بعضهم حال دون تحقيق هذا المشروع. وبجهده الشخصي استطاع العبيد أن يحصل على قطعة أرض كبيرة لتكون مقرا للنادي، وسارع إلى وضع أسس المبنى، وبنى جزءا منه، بعد الحصول على بعض المساعدات من أحد رجال الأعمال وهو الشيخ سعيد غدران شفاه الله، ومنحه الصحة وطول العمر، وقد أبدى الشيخ سعيد غدران استعداده لاستضافة النادي في مبنى (الشركة الشرقية للطباعة) .. إلى أن ينتهي العمل في مبنى النادي، لتوفير إيجار المبنى الذي يستهلك جزءا كبيرا من ميزانيته، لكن العبيد لم يتمكن من إكمال مشروعه الحلم، إذ انتهت فترة إدارته للنادي، ولم نستطع نحن الذين أتينا بعده أن نضع حجرا واحدا على ما أنجز من هذا المبنى، لأن الأحلام كانت أكبر من الإمكانيات، ولأن الصلة بمصادر التمويل كانت شبه معدومة. وشهد النشاط المنبري للنادي في عهده حراكا لافتا شاركت فيه شخصيات بارزة من امراء ووزراء وأدباء الرعيل الأول، إلى جانب الملتقى الأسبوعي لمناقشة قضية أو كتاب جديد من إصدارات النادي، وشهد افتتاح المواسم الثقافية في كل عام احتفاليات ذات وهج إعلامي كبير، وكانت تنظم تحت رعاية سمو أمير المنطقة أو سمو نائبه، وفي إحدى هذه الاحتفاليات تم إطلاق موقع النادي الإلكتروني على الشبكة العنكبوتية. ورغم ما عرف عنه من موقف مناصر للشعر التقليدي لكنه فتح المجال لعدد من شعراء التفعيلة الذين استضافهم النادي، وإن ظل على موقفه الثابت من قصيدة التفعيلة، فهو كأبناء جيله يصر على أن الشعر شعر، والنثر نثر، وبحكم رئاسته للنادي ورغم ان لديه العديد من المخطوطات لكنه لم يستغل النادي لطباعة كتبه، واقتصر على كتابين من إصدار النادي هما (الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية) وديوانه (يا أمة الحق) وطبع بقية كتبه على حسابه الخاص، وأعرف أن بعض الأدباء كانوا يطلبون مساعدات مادية من النادي، لكنه كان يعطيهم هذه المساعدات من جيبه الخاص، حتى لا تتحمل ميزانية النادي على ضعفها .. أية مصاريف أخرى. لقد بذل العبيد رحمه الله جهودا تذكر وتشكر في تأسيس نادي المنطقة الشرقية، وهي جهود سيذكرها له التاريخ بالخير، إلى جانب ريادته في توثيق الحركة الأدبية في المنطقة والخليج من خلال كتابه (الأدب في الخليج العربي) وكان من أوائل العاملين في الصحافة بالمنطقة عندما اشرف على تحرير جريدة (أخبار الظهران) وكانت تصدر في مدينة الدمام قبل صدور نظام المؤسسات الصحفية عام 1964 م الذي ألغى صحافة الأفراد ومنها جريدة أخبار الظهران. ولجهوده الكبيرة في مجالات عديدة، تم تكريمه من قبل عدد من المؤسسات الحكومية والأهلية، لقاء ما قدمه لمجتمعه ولبلاده، وللأدب والتاريخ من أعمال وخدمات ومواقف لا تنسى.  عبد الرحمن العبيد واحد من رؤساء الأندية الأدبية الذين تعرضوا للنقد وقد واجهه برحابة صدر، رغم أن معظم الذين انتقدوا أداء النادي في عهده لم يكلفوا أنفسهم في يوم من الأيام عناء زيارته، والاطلاع على مشاريعه الثقافية، والمشاركة في هذه المشاريع، واكتفوا بالنقد العاطفي الذي لا يبني بقدر ما يهدم، وفي يقيني أن خصومه لم يدركوا ما تنطوي عليه نفسه من جوانب إنسانية يفتقدها الكثيرون، من حب الخير، والتعاون في العمل، وتقدير الآخرين وإن اختلف معهم.  وقد انصرف في سنواته الأخيرة إلى العمل التطوعي في الجمعيات الخيرية والدعوة والإرشاد، وهو نشاط عرف به في وقت مبكر من حياته، ولم تمنعه كل الأعمال التي زاولها من المضي في هذا المجال بقلب مؤمن، وعزيمة صادقة، وإصرار كبير وعقيدة راسخة .. بأن الطريق إلى الله يمر من هذه الأبواب الخيرة دون سواها. رحم الله العبيد، وألهمنا في فقده الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون. khalfizaia@alyaum.com