خليل الفزيع

بين الحاضر والماضي .. ما لا ينسى

يعيش بعض الناس في الماضي ولا يريدون منه فكاكا، ولا يتخلون عنه قيد أنملة بعد أن أسرهم منجزه الفكري والثقافي، ومع أنه ماض انتهى بخيره وشره لكن التشبث به يزداد يوما بعد يوم لدى أولئك الذين يسدون آذانهم ويغلقون أفواههم عند الحديث عن الحاضر بما حققه من مكتسبات هي بالنتيجة مستمدة من عدة مصادر أحدها ذلك الماضي القريب والبعيد، ومقابل هؤلاءهناك بعض الناس الذين ينسون ذلك الماضي ويتحاشون الحديث عن منجزه الحضاري،

ويرفضون الإنتماء لتاريخ أمتهم القديم، ويتردد على ألسنتهم ما حمله الماضي من أخطاء دون الالتفات إلى ما حمله ذلك الماضي من منجزات إنسانية وفي مجالات عديدة، وما استطاع أعلام ذلك الماضي تحقيقه من منجزات كبيرة لا تزال آثارها واضحة على الأجيال التالية. الماضي بكل ملامحه والحاضر بكل معطياته لا يمكن النظر إليهما إلا في سياق تاريخي واحد تعددت حلقاته لكنها لم تنفصم، وكثرت منجزاته وإن اختلف مستواها، والتاريخ نفسه ليس سوى سلسلة من الأحداث ذات الارتباط المباشر الذي تمتد حلقاته متماسكة منذ خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أبد الآبدين، ولأن التاريخ متصل وليس منفصلا فإن الانصراف الكلي للماضي وتجاهل الحاضر بكل ما فيه من منجزات حضارية علمية وأدبية مذهلة إنما هو تغريد خارج الزمن، ومحاولة مستحيلة النجاح لحفر فجوة بين الحاضر والماضي، وكذلك هو الانصراف الكلي للحاضر وتجاهل الماضي إنما هو ضرب من تجاهل الهوية والتنكر للموروثات الثقافية التي انتقلت وتراكمت عبر الأجيال، وفي الحالتين فإن كل واحد من هذين الموقفين إنما هو أسوأ من الآخر، لأن الإنسان الذي يرث مكوناته الجينية من والديه، يرث أيضا منهما الثقافة والسلوك لتتماسك دورة الحياة ويشتد عودها مع مرور الزمن .. وهو ما تؤكده حتمية التطور للإنسان والحياة. في الماضي من المنجزات ما يقف الحاضر امامها مذهولا، وظلت طلاسم أسرارها عصية على الفهم، وإليه يكون الإنتماء، وبه يكون الاعتزاز، ومنه تستمد العبر وتستقى المثل العليا، وهي مثل بعد ان اجتازت مرحلة التكوين والتجربة لم تعد خاضعة للاختبار من خلال الممارسة، ولكن للاختبار من خلال الانتقاء المناسب للأجدى منها والأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحاضر، والإنسان لا يعيش في ماض يأسره، ولا في حاضر يلهيه، ولكنه يعيش على تلك الخلطة الناجعة من الوفاق مع النفس والوفاق مع الآخر، بما في ذلك من مكونات أهمها الماضي والحاضر، تبدأ بهما ولا تنتهي بهما بل تنفتح على مكونات أخرى تتحقق من خلال ممارسة الإنسان لحريته في اختيار ما يراه مناسبا لظروفه،

إذا كان في الماضي ما لا ينسى أو لا يمكن الاستغناء عنه، فإن في الحاضر المعاش ما هو أكثر التصاقا بحياة الإنسان .. واستجابة لطموحه، والمعادلة الصحيحة للحياة هي أن تؤخذ من الماضي إيجابياته، لتضاف إلى إيجابيات الحاضر، وبهما معا يمكن رسم خارطة الطريق للمستقبل، ووضع الأسس القوية لبنائه، حتى يكون المستقبل أكثر إشراقا وتقدما وازدهارا للبشر في كل مكان.

مستجيبا لمتطلبات حياته، ومنسجما مع إمكانياته المتاحة. والعيش في الماضي لا يقتصر على أمة دون غيرها أو شعب دون سواه بل هو ظاهرة تعلن عن نفسها حتى في الدول المتقدمة، وفي بعض الولايات الأمريكية توجد بعض القبائل الوافدة وليست من السكان الأصليين لا تزال تعيش على مخلفات الماضي، وترفض التعاطي مع منجزات الحاضر، مكتفية بالعيش البدائي الذي يعتمد على جهد الإنسان نفسه، دون الاستعانة بمنجزات العصر، انطلاقا من معتقدات غريبة على الحياة الحديثة، ومثل ذلك يوجد لدى بعض القبائل الأصلية في استراليا وأفريقيا، وهي تصر على اختيار هذه العزلة الحياتية رغم الإمكانيات المتاحة للاستفادة من منجزات العصر، طبعا هناك قبائل لم تصلها حركة التقدم العلمي والتقني لأسباب جغرافية، كما هو الحال في بعض مناطق الإسكيمو والتبت ومجاهل أفريقيا وغابات الأمازون، لكن المقصود هو اختيار العيش في الماضي من قبل بعض الناس الذين يجدون في الماضي ملاذهم للحفاظ على معتقدات دينية أو موروثات شعبية معينة، تهددها الحياة العصرية بالزوال، مع أن المعتقد الديني ذا الرسالة الإنسانية الخالدة لا يمكن أن يتعارض مع منجزات العصر، بل يعايشها، ويسهم في تطويرها، ويستفيد منها في نشر وترسيخ رسالته، متصديا بطبيعة الحال لكل القيم الهزيلة التي لا ترتقي بالإنسان إلى المستوى الحضاري الذي سعت وتسعى البشرية للوصول إليه من خلال جهود فردية او جمعية هدفها الإسهام في صناعة الحضارة وازدهار العالم.إذا كان في الماضي ما لا ينسى أو لا يمكن الاستغناء عنه، فإن في الحاضر المعاش ما هو أكثر التصاقا بحياة الإنسان .. واستجابة لطموحه، والمعادلة الصحيحة للحياة هي أن تؤخذ من الماضي إيجابياته، لتضاف إلى إيجابيات الحاضر، وبهما معا يمكن رسم خارطة الطريق للمستقبل، ووضع الأسس القوية لبنائه، حتى يكون المستقبل أكثر إشراقا وتقدما وازدهارا للبشر في كل مكان.

 

khalfizaia@alyaum.com