عبدالله العزمان

@azmani21

كانت المائدة عامرة بكل ما تشتهيه النفس. اجتهدت الأم في إعدادها، حتى بدا كل شيء في مكانه؛ الطعام وفير، والخبز لا يزال دافئًا، والبيت يغمره دفء الأسرة. ومع ذلك، لم يكن الحديث يدور حول ما حضر، بل حول ما غاب.
قال الابن الأكبر بضيق إنه ما زال ينتظر السيارة التي وعد نفسه بها. وتنهدت أخته لأنها لم تسافر كما فعلت صديقاتها. أما الصغير، فلم يرَ في كل ما حوله إلا الجهاز اللوحي الذي لم يحصل عليه.
ظل الأب صامتًا حتى هدأت الأصوات. ارتشف قليلًا من الماء، ثم قال بابتسامة لا تخلو من حكمة:
«لو خرجت أمنياتكم من هذا البيت، لعادت إليه خجلى.»
ساد الصمت.
سأله أحدهم: «ولِمَ يا أبي؟»
قال: «لأنها ستقابل في الطريق أمنيات لا تشبهها... أمنيات لا تطلب سيارة، ولا رحلة، ولا جهازًا جديدًا، بل تطلب أشياء نظنها نحن من المسلَّمات.»
ولعل العالم أوسع من أن نراه من نافذة رغباتنا وحدها.
فوفقًا لتقديرات اليونيسف، يعيش نحو 140 مليون طفل حول العالم وقد فقدوا أحد والديهم أو كليهما. كثير منهم لا يتمنى لعبة جديدة، بل يدًا تمسح دموعه، أو كلمة «يا بني» يسمعها من أبٍ، أو حضن أم يبدد وحشة الليل.
وفي مكان آخر، لا يدور السؤال حول نوع الطعام، بل حول وجوده أصلًا. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن مئات الملايين يعانون الجوع، بينما يواجه أكثر من 2.3 مليار إنسان درجات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي. هناك، يصبح الخبز أمنية، والماء النظيف رفاهية.
أما الفقر، فما زال يطارد مئات الملايين. ويقدِّر البنك الدولي أن نحو 700 مليون إنسان يعيشون في فقر مدقع، لا يملكون ما يكفي لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وبين من يشتكي من عمله، ومن ينتظر أي عمل، مسافة لا تُقاس بالوقت، بل بقيمة النعمة.
ثم تأتي الصحة... تلك النعمة التي تختفي من قائمة الامتنان ما دامت حاضرة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 1.3 مليار شخص يعيشون مع شكل من أشكال الإعاقة. وهناك ملايين آخرون لا يحلمون إلا بخطوة بلا عكاز، أو نفس بلا جهاز، أو ليلة ينامونها بلا ألم.
ورغم ذلك كله، يظل الإنسان بارعًا في تجاهل ما يملك.
يسمي علماء النفس هذه الظاهرة «التكيُّف اللذِّي»؛ إذ يعتاد الإنسان النعمة سريعًا حتى تصبح مألوفة، ثم يتحول انتباهه تلقائيًا إلى ما ينقصه. لذلك لا ينخفض الرضا دائمًا بسبب قلة النعم، بل لأن كثرة الاعتياد تجعلها غير مرئية.
وليس الامتنان دعوة إلى قتل الطموح، ولا إلى الاكتفاء بما نحن عليه، بل هو أن نمضي نحو أهدافنا بأقدام تسعى، وقلوب تعرف قيمة ما بين أيديها. فالطموح بلا امتنان يتحول إلى سباق لا نهاية له، أما الطموح المصحوب بالشكر فيمنح صاحبه سكينةً وهو يواصل السير.
ربما لا نحتاج إلى المزيد بقدر ما نحتاج إلى أن نرى ما نملكه بعين جديدة. فكم من أمنية نلهث خلفها اليوم، بينما نحن نعيش، من غير أن نشعر، أمنياتٍ يدعو بها غيرنا كل صباح.
الجملة الذهبية:
ليست النعمة فيما ننتظر، بل فيما اعتدنا وجوده حتى كففنا عن رؤيته.
دفتر الكاتب:
قبل أن تكتب قائمة بما تتمنى، اكتب قائمة بما لو فقدته لتمنيت عودته. ففي هذه القائمة يبدأ الامتنان، ويستعيد القلب بصره.