يظن بعض الناس أن الإجازة ترفٌ أو فرصة للهروب من المسؤوليات، بينما هي في حقيقتها محطة ضرورية يتوقف عندها الإنسان ليستعيد توازنه قبل أن يواصل طريقه. فالعمل المستمر دون راحة قد يزيد ساعات الإنجاز، لكنه لا يضمن جودة الإنجاز، لأن العقل المرهق يفقد تدريجيًا قدرته على الإبداع، كما أن الجسد يحتاج إلى الراحة بقدر حاجته إلى الحركة.
وليس المقصود بالإجازة كثرة السفر أو الإنفاق، فكم من إجازة قضاها أصحابها في أماكن بعيدة وعادوا أكثر إرهاقًا، وكم من أيام هادئة بين الأسرة أو مع كتاب أو هواية محببة أعادت إلى الإنسان نشاطه وهدوءه. فالقيمة الحقيقية للإجازة لا تقاس بالمسافة التي نقطعها، بل بالأثر الذي تتركه في نفوسنا.
كما أن الإجازة فرصة لإصلاح ما أفسدته سرعة الحياة؛ لإعادة الدفء إلى العلاقات الأسرية، والاقتراب من الأبناء، وزيارة الوالدين والأقارب، وتجديد الصداقات، وممارسة الهوايات التي طالما أجلناها بحجة ضيق الوقت. ففي زحام الأيام قد نخسر تفاصيل صغيرة، لكنها في الحقيقة تصنع أجمل الذكريات.
والإنسان الذي يمنح نفسه وقتًا للراحة لا يتراجع عن النجاح، بل يستثمر في استمراره. فالتوازن بين العمل والحياة ليس رفاهية، وإنما أحد أسرار العطاء المستدام، لأن العقول المطمئنة أكثر قدرة على التفكير، والنفوس المستقرة أكثر استعدادًا للعطاء.
وفي هذا الصيف، لنجعل إجازتنا فرصة لاستعادة أنفسنا قبل أن تكون فرصة لتغيير المكان. فلنمنح عقولنا راحة، وقلوبنا سكينة، وأسرنا وقتًا نستحقه جميعًا. فالإجازة الناجحة ليست التي تنتهي بصور جميلة، بل تلك التي نعود بعدها أكثر هدوءًا، وأقوى عزيمة، وأكثر شغفًا بالحياة والعمل.
Remas-23H@outlook.com