عبدالله يوسف العثمان


كل جهة تبحث عن موظف مخلص، يبذل جهده، ويحافظ على سمعة مكان عمله، ويتعامل مع نجاح المؤسسة وكأنه نجاح شخصي. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل يولد الولاء مع الموظف، أم يُصنع داخل بيئة العمل؟
كثيرون يعتقدون أن الولاء الوظيفي يعني البقاء سنوات طويلة في الوظيفة، بينما الحقيقة أوسع من ذلك بكثير. فقد يقضي الموظف سنوات في مقر عمله، لكنه يؤدي مهامه بحدها الأدنى، وينتظر نهاية الدوام أكثر مما ينتظر بداية يوم جديد. وفي المقابل، قد تجد موظفًا حديث العهد بالمؤسسة، لكنه يشعر بأنه جزء من رسالتها، فيبادر، ويبتكر، ويدافع عنها في حضورها وغيابها.
ومن هنا تبدأ المسؤولية المشتركة. فالموظف مطالب بالإخلاص في عمله، واستشعار قيمة الأمانة التي يحملها، لكن الجهة كذلك مطالبة بصناعة بيئة تجعل هذا الإخلاص ينمو ويستمر. فالإنسان بطبيعته ينتمي إلى المكان الذي يقدره، ويثق بمديره، ويشعر فيه أن جهده يُرى قبل أن يُقيَّم.
ولهذا، لا يتحقق الولاء بالحوافز المالية وحدها، وإن كانت مهمة، بل يتحقق بالعدالة، والاحترام، والشفافية، وفرص التطور، وإشراك الموظف في النجاح، والاستماع إلى رأيه، والاعتراف بإنجازه. فالكلمة الصادقة أحيانًا تصنع أثرًا يفوق مكافأة، والثقة قد تبني علاقة تستمر سنوات.
وفي المقابل، عندما يغيب التقدير، وتتكرر الوعود دون تنفيذ، ويشعر الموظف أن أداءه لا يغيّر شيئًا، يبدأ ارتباطه بالمكان في التراجع تدريجيًا. قد يبقى على رأس عمله، لكنه يغادره شعورًا قبل أن يغادره حضورًا، وهنا تخسر المؤسسة أحد أهم أصولها، وهو الانتماء.
ولعل المؤسسات الأكثر نجاحًا اليوم ليست تلك التي تمتلك أفضل المباني أو أحدث التقنيات، بل تلك التي نجحت في بناء ثقافة عمل يشعر فيها الجميع أنهم شركاء في الإنجاز. فالموظف الذي يرى أثر عمله في نجاح الجهة يتحول تلقائيًا إلى سفير لها، ويصبح حريصًا على سمعتها كما يحرص على سمعته.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المملكة، أصبح الاستثمار في الإنسان أحد أهم مقومات النجاح المؤسسي. ولهذا، فإن بناء الولاء الوظيفي لم يعد مسؤولية إدارة الموارد البشرية وحدها، بل مسؤولية كل «مدير» يؤمن بأن الإنجازات العظيمة تبدأ من الإنسان.
فالولاء الوظيفي لا يُكتب في اللوائح، ولا يُفرض بالقرارات، بل يولد عندما يلتقي احترام المؤسسة لموظفيها مع إخلاص الموظف لرسالته. وعندها، لا يصبح العمل وظيفة يؤديها الإنسان، بل قيمة يعيشها كل يوم.
BinOthman90@