منيرة السبيت


كل شيء في الحياة يفقد توازنه عندما يتجاوز حدَّه، حتى الأشياء التي نراها جميلة. فكما أن الإفراط في الخوف يقيِّد الإنسان، فإن الإفراط في الطمأنينة قد يجعله غافلًا، وكما أن الحزن المستمر يرهق النفس، فإن الإصرار على السعادة الدائمة قد يرهقها أيضًا.
لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار رسائل التنمية الذاتية التي تدعو إلى التفكير الإيجابي في جميع الظروف، حتى بدا وكأن مشاعر الإنسان الطبيعية، كالحزن والخيبة والألم، عيوب ينبغي التخلص منها فور ظهورها.
أنا لست ضد أهمية النظرة الإيجابية للحياة، ولا أنكر أثرها في تجاوز بعض الصعوبات وتعزيز القدرة على التكيف. لكن المبالغة في هذا المفهوم قد تؤدي إلى ما يُعرف بـ»الإيجابية السامة»، وهي الحالة التي تتحول فيها الإيجابية من وسيلة تساعد الإنسان على مواجهة الحياة إلى مطلب دائم يجبره على تجاهل مشاعره الحقيقية وإنكارها.
عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر ليبدو سعيدًا ومتفائلًا في كل وقت، فقد يدخل، من دون وعي، في حالة من إنكار مشاعره الطبيعية أو التقليل من شأنها. ولأن هذا السلوك يتعارض مع الطبيعة البشرية، فإنه قد ينعكس سلبا على صحته النفسية، فيتراكم الألم في الداخل بدلًا من أن يُفهم ويُعالَج.
إن المشاعر السلبية ليست عدوًا للإنسان، بل هي جزء أصيل من تكوينه الفطري. فللحزن رسالته، وللخوف وظيفته، وللخيبة دورها في إعادة ترتيب التوقعات والأولويات. فلا تكمن الصحة النفسية في التمسك بطرف واحد من المشاعر، بل في القدرة على التوازن بينها جميعًا؛ أن نفرح عندما يستدعي الموقف الفرح، وأن نحزن عندما يستحق الحزن أن يُعاش.
في النهاية، الحياة ليست اختبارًا لقدرتنا على السعادة المستمرة، بل رحلة نخوضها بين مواقف الفرح والحزن، والنجاح والإخفاق، والأمل والانكسار. وإن الإنسان السوي هو من يمنح كل شعور حقه ومساحته المطلوبة دون إفراط أو تفريط، ويحافظ على اتزانه وسط تقلبات الحياة.