عبدالعزيز الذكير


كنا لكم حطبًا في كل نازلةٍ .. فلا تكونوا لنا حمّالة الحطبِ
عندما تأتي كلمة «النار» على لسان المجيدين من شعراء الفصحى نجدها تعني الترحيب بالضيف والقِرى «طعام الضيف».
وعندنا مثل شعبيّ متداول على قلة وهو «النار فاكهة الشتاء». ولاحظنا كيف راجت فكرة بيع الحطب والفحم ووسائل سرعة إشعالهما في محلات تجهيز الرحلات ومحطات الوقود. ولا يبالي الناس في السعر ما دام الحطب جيّدًا «سمر» أو غيره من «الماركات».
ونظرة إلى كلمة «الحطب» وكأن العرب وجدوا أنها ذات صفة بلاغية من خلال التشابه في الأغراض. فالنار في كلام العرب يُرمز إلى إضرامها على الكرم.. وتعريف الحطب لغة هو ما جف من الشجر وصلح وقودًا للنار. وكانت الناس تحتاج إليه حاجتها للماء والطعام والملبس. وأكثر المنازل كانت تحتفظ بمساحة واسعة من البيت لحفظ الحطب الذي يجدونه مجلوبًا في سوق المدينة أو القرية كحركة تجارية يومية. وتمر عملية الاستفادة منه في المنازل للطبخ والتدفئة بمرحلتين:
أ – مرحلة شرائه من السوق.
ب – مرحلة تكسيره وجعله على شكل حزم قابلة للنقل إلى موقد النار.
وعملية التكسير تلك تُفيد عمالة محلية، رجالية ونسائية. وثمة أفراد من الجنسين يقبلون المهمة وتُعرف أماكنهم.
كانوا حتى الخمسينات من القرن الميلادي الماضي يحتطبون على الإبل، ثم استعملوا سيارات اللوري ذات الأحواض الكبيرة. والفرق بين المرحلتين أنهم «الحطابين» كانوا يستطيعون الوصول ببضاعتهم إلى المنازل داخل الحارات. أما عندما دخلت السيارات مهنة الاحتطاب والبيع، فكانوا ينزلون الأحمال في ساحة تصل إليها السيارات، وعلى المشتري نقله إلى منزله على ظهر دابة.
ولعل أجمل ما في الحطب أنه لم يكن مجرد وقود يُلقى في النار، بل كان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية وذاكرة الناس. ارتبط بالمجالس والسمر، وبأحاديث الشتاء الطويلة، وبرائحة القهوة التي تفوح من الدلال فوق الجمر. وكان حضور النار في البيوت والبراري يبعث على الألفة والطمأنينة، ويجمع أفراد الأسرة والجيران حول دفئها. ومع تطور وسائل التدفئة والطهي وتغير أنماط المعيشة، تراجع حضور الحطب في حياتنا، لكنه بقي حاضرًا في الذاكرة الشعبية والأمثال والقصص. وما زالت بعض المفردات المرتبطة به تذكرنا بزمن كانت فيه الأشياء أبسط، وكانت العلاقة بالطبيعة أوثق، وكانت للنار والحطب حكايات لا تنطفئ بسهولة.
ذات شتاء دخلتُ فندقًا في ضاحية ريفية بريطانية، ووضع أصحاب الفندق لوحة جذب تقول «تدفئة بالحطب» -Log fire-ويعنون أن صالات الفندق مجهزة بنار الحطب.
كان بودي لو سألتهم: غضا أو سمر أو رمث.
binthekair@gmail.com