ليس كل صمت قوة.. وليس كل مشاركة ضعف. تربّينا منذ الصغر على رسائل متناقضة: «كن قويًا ولا تشتكِ».. وفي المقابل: «لا تكتم، وتحدث عمّا في داخلك». وبين هذا وذاك، يكبر الإنسان وهو لا يعرف: هل الصمت فضيلة دائمًا؟ أم أن الكلام والمشاركة ضرورة دائمًا؟ الحقيقة؟ لا هذا.. ولا ذاك. الصمت الذي نظنه قوة، في كثير من الأحيان، نختاره لأننا نريد أن نبدو متماسكين. نخفي تعبنا، نؤجل حديثنا، ونقنع أنفسنا أن التحمّل هو الحل. لكن بعض الصمت ليس قوة، بل هروب مؤجل. نصمت لأننا لا نريد المواجهة، أو لأننا لا نعرف كيف نشرح، أو لأننا نخشى أن يُساء فهمنا. وهنا يتحول الصمت من خيار واعٍ إلى عبء صامت يكبر بداخلنا.
هناك من يرى أن طلب المساعدة أو الحديث عن المشكلة نوع من الضعف، فيبالغ في الاعتماد على نفسه... حتى وهو ينهار. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. أن تقول: “أنا أحتاج”، أن تعترف بأنك لا تعرف، أن تطلب دعمًا في لحظة عجز.. هذه ليست علامات ضعف، بل مؤشرات وعي. الخلل لا يكمن في الصمت، ولا في المشاركة، بل في العشوائية: أن تصمت حين يجب أن تتكلم، وأن تتكلم حين كان الأولى أن تحاول، أن تطلب المساعدة قبل أن تبذل جهدك، أو أن ترفضها حتى بعد أن تستنزف نفسك. هنا... تضيع البوصلة.
النضج لا يعني أن تكون قويًا دائمًا، ولا أن تكون صريحًا طوال الوقت؛ النضج هو أن تسأل نفسك بصدق: هل هذه مشكلة أستطيع حلها لو حاولت؟ أم أنني أحتاج فعلًا لمن يشاركني الطريق؟ أن تبدأ بنفسك أولًا، ثم لا تتردد في إشراك الآخرين حين يصبح ذلك ضروريًا. هناك فرق كبير بين من يهرب إلى الآخرين عند أول عقبة، ومن يحاول وحده حتى آخر نفس—وكلاهما غير متوازن. الأول لم يمنح نفسه فرصة النمو، والثاني حرم نفسه من الدعم. أما المتزن فهو من يعرف متى يمشي وحده... ومتى يسير مع الآخرين.
الخلاصة: ليس كل صمت قوة.. لأن بعضه يكسرنا من الداخل، وليس كل مشاركة ضعف.. لأن بعضها ينقذنا. لكن النضج الحقيقي أن تعرف متى تحل مشكلتك بنفسك، ومتى تسمح للآخرين أن يكونوا جزءًا منها، لأن الحياة لا تُعاش بصوت واحد، ولا تُحتمل بصمت دائم.