نجاح مؤمن


حين تكون ليّنًا على الدوام، يعتادك الناس بطريقة لا شعورية، وكأن حضورك اللطيف واحتواءك المستمر أمرٌ مفروغ منه؛ تتحول طيبتك مع الوقت من صفة نبيلة إلى توقّع دائم، ومن خيار إنساني جميل إلى «واجب» غير معلن في نظر الآخرين.
هنا تكمن المفارقة المؤلمة: كلما أعطيت أكثر دون حدود، قلّ تقدير ما تقدمه.
الإنسان بطبيعته يتكيّف مع ما يتكرر، فإذا كنت دائم العطاء، سريع التسامح، حاضرًا في كل مرة يُطلب منك فيها الدعم، يبدأ الآخرون في بناء صورة ذهنية عنك بأنك متاح دائمًا، وأنك لن ترفض، وأنك ستتفهم مهما حدث. ومع مرور الوقت، لا يعود هذا السلوك يُقابل بالامتنان، بل يصبح هو «الحد الأدنى» المتوقع منك.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الطيبة ليست التزامًا مفروضًا، بل قرار واعٍ؛ أنت تختار أن تكون لطيفًا، وتختار أن تسامح، وتختار أن تساعد، وهذا يعني أن من حقك أيضًا أن تختار التوقف، أو التقليل، أو وضع حدود واضحة حين تشعر بأن هذا العطاء لم يعد متوازنًا أو عادلًا.
وضع الحدود لا يعني القسوة، ولا يدل على تغير في القيم أو فقدان للنبل، بل هو دليل على نضج داخلي وفهم أعمق للذات. الحدود الصحية تحميك من الاستنزاف، وتُعلّم الآخرين كيف يعاملونك؛ فحين لا تضع حدًا، فأنت - دون قصد - تعطي إشارة بأن كل شيء مسموح، وأن تجاوز راحتك أمر يمكن التغاضي عنه.
الاستغلال لا يبدأ فجأة، بل يتسلل تدريجيًا عبر تنازلات صغيرة تتكرر. في كل مرة تصمت فيها عن ضيقك، أو تتجاوز عن أمر أزعجك، أو تُقدّم على حساب نفسك، أنت تفتح الباب خطوة أخرى، إلى أن تجد نفسك في موقف تشعر فيه بأنك تُعطي أكثر مما تتلقى، وأنك مُرهق من دور لم تختره بالكامل.
لذلك؛ من مسؤوليتك تجاه نفسك أن تتوقف لحظة، أن تُراجع، وأن تسأل: هل ما أقدمه نابع من رغبة حقيقية، أم خوف من الرفض أو خيبة الآخرين؟ هل أنا مرتاح، أم فقط معتاد؟ هذه الأسئلة ليست أنانية، بل ضرورية للحفاظ على توازنك النفسي.
تعلّم أن تقول «لا» عندما تحتاج، وأن تؤجل، وأن تضع أولوياتك دون شعور بالذنب. فالناس لا يكرهونك لأنك وضعت حدودًا، بل قد يعيدون تقييمك بشكل أكثر احترامًا. ومن يبتعد لأنك لم تعد متاحًا بلا شروط، هو في الغالب كان مستفيدًا من غياب هذه الحدود، لا من وجودك الحقيقي.
في النهاية، الطيبة تظل قيمة عظيمة، لكن قيمتها الحقيقية تظهر حين تكون واعية وموزونة. كن طيبًا، لكن لا تكن مستباحًا. أعطِ، لكن لا تُهدر نفسك. وتذكّر دائمًا: احترامك لذاتك هو ما يحدد كيف سيحترمك الآخرون.
وحتى لقاء آخر.. دمتم بخير وبرعاية الله.
success.1997@hotmail.com