غنية الغافري


على الرغم من أن النمط السائد في رمضان هو التسابق في تعبئة المطابخ بالمؤن الغذائية إلا أني لست مع العالم في هذا المجال! فآخر عهدي بمقاضي رمضان هي السنة الأخيرة التي مكثت فيها في بيت أهلي عليهم رحمة الله، فقد كانا والدي يعبئ المنزل «بكراتين» المواد الغذائية كإحدى فعاليات رمضان السنوية بينما عندما انتقلت لعش الزوجية قررت أن أغير نمط الحياة الرمضاني التقليدي وأن أعامل رمضان كبقية شهور السنة فلا أزيد على «المقاضي العادية» سوى مالا يؤكل إلا في رمضان وبكميات يومية أو أسبوعية فالمحلات تحيط بمنزلي والبضاعة وافرة ولله الحمد والأجساد لاتحتمل سوى ذات الكمية التي تتحملها في بقية شهور السنة، وعلى الرغم من أني من عشاق المطبخ وهواة الطبخ إلا أني لا أحب «التكوّد» وملأ السفرة عن بكرتها «والتكوّد» تعني الإكثار وجعل الأشياء بعضها فوق بعض دون حاجة حقيقية، وهذا النمط الاستعراضي في رمضان يجب أن يتغير حتى لا ينتهي بتأنيب الضمير في كل مرة تمتلأ فيها الحاويات بالأطعمة التي لم تلمس.
أما الكوش الرمضانية والأنوار والفوانيس والتماثيل التي غزت البيوت فقد غطت على كوش الأعراس وأصبح جزء كبير من المنزل مخصص لهذا الغرض وكأن رمضان لا يتم إلا بهذه الكوشة !، بل إن شكل الأهلة والرموز المعبرة عن رمضان أصبحت حتى في الأواني والملابس وشكل الأطباق ونقش الحنا وكان يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق وأدى الغرض فرمضان لا يحتاج إلى تعريف بقدومه وليست هذه هي الروحانية المطلوبة في استقباله، بل حتى الملابس وارتداء الذهب أصبح من الطقوس السنوية الرمضانية فتمتلأ الأسواق بالجلابيات وتزدحم محلات الذهب بالمتسوقين وتتنافس ربات البيوت بالعزائم والغبقات ومايتبعها.
ولا يشك مسلم في جمال ليالي هذا الشهر وتفرده عن بقية الشهور بفضائله وأبواب الخير المفتوحة فيه لكن إذا طغت كل هذه الشكليات على جوهر الصيام أذهبت معانيه الحقيقية، صحيح أننا نحتاج دائماً لأجواء الفرح والزينة المحفزة وبعض العادات الاجتماعية الجميلة لكن بقدر معقول، يقول ابن القيم في زاد المعاد، أن الاستعداد لرمضان يكون بتهيئة القلب بتجديد التوبة والاقتداء بهدي النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في كثرة العبادة والصيام في شعبان كتمهيد للنفس والإكثار من الصدقة والقرآن وتجهيز النفس لترك الآثام وصيام الجوارح عن الذنوب لتذوق لذة الطاعة.
يوم التأسيس: من شهر شعبان ونحن نستعد ليوم التأسيس ونستذكر هذه الحقبة التاريخية التي يفتخر بها كل سعودي حتى وصلت المملكة العربية السعودية لما هي عليه اليوم. ومن جميل هذا اليوم، المكرمة التي اتخذت «يوم التأسيس» إجازة لموظفي الدولة، وكوني أحد الموظفين تحدثت عن هذا اليوم وما يحويه من معاني فاخرة وعرجتُ على يوم الإجازة المرتبطة به كونه يوم لا يُنسى ! لكن وفي صباح هذا الأحد استيقظت من نومي مبكراً وأنا أحدث نفسي بالأعمال التي سأنجزها، لكن الطريق كان مختلفا هذه المرة ربما كان أكثر اغتباطاً مني ! فالهدوء كان سيد الموقف ما دعاني للتأمل في جمال مدينتي والجهود التي تبذل من أجل أن تظهر بهذه الفخامة حيث كان الاختناق الصباحي معيقاً للحظات التأمل، استطعت مع ذلك الهدوء الجميل أن استشعر حتى جمال الشارع المسفلت للتو والذي لايدب فيه سواي ! دون أن يخطر ببالي لماذا تبدو مديني بهذا السكون في وقت الجد والعمل ! ولم استيقظ من هذا الحلم الجميل إلا عندما وصلت بوابة عملي المغلقة واستدركت أن اليوم إجازة!! عدت أدراجي وأنا أحمد الله على نعمة النسيان!
ganniaalghafri@gmail.com