في بيئات العمل الحديثة، لا يرتبط التراجع غالبًا بضعف الكفاءات، كما أنه لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يبدأ تدريجيًا عند غياب المسار المهني الواضح الذي ينظم حركة الموظف داخل المؤسسة ويحدد أفق تطوره، فالموظف الذي لا يرى أمامه خارطة نمو محددة، يتحول أداؤه إلى تنفيذ يومي للمهام، دون ارتباط برؤية بعيدة المدى أو أهداف استراتيجية .
تكدّس المهام على بعض الموظفين، وتبدّل الأدوار دون تخطيط، وتغيّر القرارات بصورة مستمرة، جميعها مؤشرات على غياب التنظيم المهني الواضح.
ومع الوقت، يصبح الأداء قائمًا على الاستجابة اللحظية للاحتياجات الطارئة، بدل أن يكون جزءًا من مسار متدرج للتطوير والتأهيل، وهنا لا تخسر المؤسسة الوقت فحسب، بل تخسر طاقاتها البشرية أيضًا.
المسار المهني ليس إجراءً شكليًا أو ترفًا تنظيميًا، بل يمثل أحد أهم مرتكزات الاستدامة المؤسسية، فغياب المسارات الواضحة يفتح الباب أمام العشوائية الإدارية، حيث تُنجز المهام بسرعة لسد الاحتياج الآني، دون بناء منظومة متكاملة تضمن نمو الموظف وتقدمه، هذه الممارسات تؤثر مباشرة على مستوى الرضا الوظيفي، وتنعكس بصورة غير مباشرة على جودة الأداء العام.
في المقابل، تؤكد التجارب الإدارية الحديثة أن المؤسسات التي تعتمد تخطيطًا واضحًا للمسارات المهنية بدءًا من التعيين، مرورًا ببرامج التطوير والتأهيل، وصولًا إلى التمكين القيادي، تُحقق مستويات أعلى من الاستقرار والإنتاجية، فوضوح التوقعات يعزز الشعور بالأمان المهني، والأمان المهني ينعكس على الالتزام والانتماء، ما يُرسّخ ثقافة أداء مستدامة، كما أن إدارة المواهب لم تعد خيارًا تنظيميًا يمكن تأجيله، بل أصبحت ضرورة استراتيجية في سوق عمل سريع التغير، فالمؤسسات التي تهمل التخطيط المهني تدفع تكلفة غير مباشرة تتمثل في تراجع الولاء المؤسسي، وانخفاض الحماسة المهنية.
في النهاية، الكفاءات لا تضيع لضعفها، بل لغياب الطريق الذي يقودها.
khaldermessi22@gmail.com