أيام قليلة ونستقبل شهر رمضان ذلك الضيف الذي يدخل بسلام لكنه يحمل رسالة عميقة.
شهر لا يطلب منا مظاهر ولا ادعاء بل يطلب صدقاً هادئاً وعودة حقيقية إلى الداخل.
ومع ذلك يستقبله بعضنا بالعادة لا بالاستعداد، وبالانشغال لا بالمراجعة، فنصوم بأجسادنا بينما تبقى أرواحنا مثقلة كما هي.
رمضان تربية لا عادة..
نصوم عن الطعام ونفطر على القسوة نغلق أفواهنا عن الأكل ونفتحها على الغيبة نتحاشى شربة ماء ونستسهل كسر خاطر.
نعد الساعات حتى الأذان ولا نحسب كم نفساً أثقلناها خلال النهار وكأن الصيام امتناع فقط عن الأكل، لا تربية وتعامل صادق وكأن العبادة وقت بلا أثر.
رمضان لم يأت ليختبر صبر المعدة.. بل ليوقظ القلب جاء ليهذب لا ليجوع، ليقرب لا ليشغل.
جاء ليعيد ترتيب الداخل لا ليغير مواعيد النوم فقط.
ومع ذلك يتحول عند البعض إلى جدول مزدحم يستهلك الروح بدل أن ينقذها، فنخرج من يومنا مرهقين لا لأننا صمنا بل لأننا حملنا معنا نفس التوتر ونفس الحدة ونفس العجلة.
في زمن الشاشات أصبح رمضان عند كثيرين موسماً للضجيج لا موسماً للسكينة.
نصور أكثر مما نعيش ونشارك أكثر مما نشعر ونبحث عن الخشوع في بث مباشر.
نقيس جمال الشهر بعدد اللقطات لا بعدد اللحظات الصادقة ونقيس التدين بما يظهر لا بما يتهذب في السر.
الفرصة التي تتكرر كل عام.
العجيب إن البعض يبالغ في القسوة مع من حوله بحجة التعب والجوع وكأن الجوع تصريح للحدة.
بينما رمضان يعلمنا أن نضبط أنفسنا في أقسى حالاتنا فمن ملك نفسه وهو صائم ملكها طوال العام.
رمضان ليس شهر مثالية بل شهر محاولات تتراكم حتى تصنع إنسانا أهدأ وأقرب.
يطلب منا أن نقلل الأذى ونكثر الرحمة وأن نجعل بيوتنا مكاناً للاطمئنان، لا ساحة للتوتر، وأن نجعل اللسان صائماً مثل المعدة والقلب أكثر ميلاً للعفو.
كسر القطيعة..
ومع مقدم الشهر تتجدد الحاجة إلى صلة الرحم فكم من قطيعة بدأت بخلاف صغير وكم من علاقة انكسرت لأننا قدمنا العناد على الوصل.
رمضان فرصة ثمينة لكسر هذه القطيعة وإعادة فتح الأبواب التي أغلقت على عجل وإعادة التواصل من حيث توقفت القلوب لا من حيث تعقدت الخلافات.
ختاما..
رمضان ليس اختبار جوع، بل اختبار أخلاق، فاجعل صيامك صياماً عن الأذى كما هو صيام عن الطعام.
moad_aziz@hotmail.com