الإنسان بطبيعته يميل إلى البحث عن الكمال ويتخيل أن السعادة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تخلو الحياة من المشكلات والمنغصات.
لكن هذا التصور رغم جماله بعيد عن الواقع، فالحياة لم تخلق كاملة ولا يمكن أن تسير على وتيرة واحدة من الراحة والطمأنينة.
ومن هنا تبرز أهمية أن يتعلم الإنسان الاستمتاع برحلة حياته نفسها لا أن يعلق سعادته على محطة مثالية قد لا يصل إليها أبدا.
إن رحلة الحياة مليئة بالتقلبات تجمع بين الفرح والحزن، النجاح والتعثر، اللقاء والفقد وهذه التناقضات ليست عيوبا في الحياة بل هي جوهرها الحقيقي، وحين يستوعب الانسان هذه القاعدة سوف يدرك بأن الحصول على الطمأنينة والراحة والاستقرار هو أمر نسبي وفي الأصل يتأثر بصورة مباشرة بخيارات الفرد والدروب التي يقرر أن يسلكها في رحلة الحياة بحثاً عن الغايات التي تتشابه في أهدافها الرئيسية عند البشر وكذلك تؤدي بالمحصلة النهائية لتحقيق السعادة، وإن اختلفت تفاصيل هذه القاعدة مع اختلاف الخلفية الاجتماعية والثقافية وكذلك مفهوم الراحة والسعادة عند الإنسان، ولكن في نهاية الأمر يجب أن يستوعب أن المسألة تتأثر بقراراته وتختلف النتيجة باختلاف سبله في الحياة.
يجب أن يستوعب الإنسان أن الحياة مليئة بالتحديات والصعوبات ولا يوجد هناك طريق مفروش بالورود مهما كان موقعك في الدنيا، فلو كانت الحياة خالية من الصعوبات لفقدت التجارب معناها ولما شعر الإنسان بقيمة الإنجاز أو بلذة الراحة بعد التعب، خاصة أن ما يجنيه من ثمار الصبر والكفاه هو ما سيكون له طعم الاستقرار ولذة الطمأنينة وديمومة الراحة الحقيقية التي تخلق من صلب الجهد والمثابرة، خاصة أن الألم أحيانا هو الذي يمنحنا القدرة على الفهم ويجعلنا أكثر نضجا وقربا من أنفسنا ومن الآخرين.
الاستمتاع برحلة الحياة لا يعني تجاهل المشكلات أو إنكار المشاعر السلبية بل يعني تقبلها بوصفها جزءا طبيعيا من التجربة الإنسانية.
فبدل أن يقضي الإنسان عمره في مقاومة الواقع أو التذمر مما ينقصه يمكنه أن يتعلم كيف يرى الجمال في التفاصيل الصغيرة .. في لحظة هدوء، أو في ابتسامة عابرة، أو في درس مستفاد من تجربة صعبة.
هذه اللحظات البسيطة هي التي تصنع الإحساس الحقيقي بالحياة كما أن إدراك عدم كمال الحياة يحرر الإنسان من ضغط التوقعات المثالية.
فعندما يفهم أن التعثر ليس فشلا وأن الحزن ليس ضعفا يصبح أكثر تصالحا مع ذاته وأكثر قدرة على المضي قدما.
حينها تتحول الرحلة نفسها إلى مساحة للنمو والتعلم لا إلى سباق مرهق نحو نهاية مجهولة.
الحياة ليست وعدا بالكمال بل فرصة للتجربة ومن يحسن الاستمتاع بطريقه رغم وعورته أحيانا هو من يدرك المعنى الأعمق للعيش، فالسعادة الحقيقية لا تكمن في حياة بلا منغصات بل في قلب قادر على التعايش معها ورؤية النور حتى وسط العتمة.
nesreenfahad@yahoo.com