أ.د. أحمد الكويتي


كلا منا يريد أن يسعد في حياته، وأن يتخلص من المنغصات، سمات أراها في وجوهنا جميعا من سماحة، ورضا، وتعايش، وتصالح مع النفس. إلا أن هناك فضيلة القبول والرضا في حياتنا الشخصية بحاجة إلى التفاتة. كلا منا يواجه في رحلة الحياة، حقيقة صعبة: بأن ليس كل شيء في قبضة أيدينا. هناك أمور خارجة عن سيطرتنا - ماضٍ لا يُمحى، صفات موروثة، ظروف عائلية، أو تحديات صحية مزمنة-. كثيرون يقضون سنوات من أعمارهم في صراع مرير مع واقع لا يملكون تبديله، فيستنزفون طاقاتهم النفسية والجسدية في معركة خاسرة منذ بدايتها. فمن أعظم الحكم التي يمكن أن يتعلمها الإنسان هي قدرته على التمييز بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع. المبدأ الحكيم «ما لا أستطيع تغييره أقبله وأتعايش معه» ليس ذلك استسلاماً، بل هو قوة داخلية تحررنا من صراع عقيم مع المستحيل.
التعايش يبدأ بسؤال صادق: «هل أستطيع حقاً تغيير هذا الأمر؟» الماضي لا يمكن تغييره، لكن يمكننا تغيير نظرتنا إليه وتأثيره فينا. الجينات الوراثية لا تتبدل، لكن سلوكياتنا وعاداتنا الصحية يمكن أن تغير مسار حياتنا. ظروف الآخرين ليست بأيدينا، لكن ردود أفعالنا تجاهها تماماً تحت سيطرتنا.
التعايش الحقيقي يعني فهم هذه الحدود بوضوح، فلا نهدر وقتنا في تغيير ما لا نملكه، ولا نتقاعس عن تغيير ما هو ممكن. إنه توازن دقيق بين القبول والفعل، بين الرضا والطموح. نمارس الامتنان لما لدينا، ونعيد صياغة نظرتنا إلى التحدي، فنراه فرصة للنمو لا عقبة للتعاسة.
ثق أن فضيلة القبول تحرر الإنسان من حصار القلق والإحباط المستمر. عندما نتوقف عن محاربة الحتميات، نستعيد طاقتنا النفسية، ونوجهها نحو ما يمكن تحسينه فعلاً. هذا ما نراه يخفف التوتر، ويحسن الصحة النفسية والجسدية، ويمنحنا سلاماً داخلياً عميقاً. نصبح أكثر مرونة وتركيزاً على الحاضر بدلاً من الانشغال بما فات. أما على المستوى الشخصي، يصبح الإنسان أكثر نضجاً، قادراً على بناء علاقات صحية؛ لأنه لا يحمّل الآخرين مسؤولية تغيير ما لا يُغيَّر.
خلاصة القول، القبول ليس ضعفاً، بل شجاعة الحكيم الذي يعرف متى يقاتل ومتى يسالم. بتعلم التعايش مع ما لا نستطيع تغييره، نفتح باب السعادة الحقيقية التي لا تعتمد على كمال الظروف، بل على كمال القلب في تقبله.
akuwaiti@iau.edu.sa