طبيعة البشر هي من أكثر القضايا التي شغلت فكر الإنسان منذ فجر التاريخ، فهي الميدان الذي تتقاطع فيه الأخلاق مع الغرائز، والعقل مع العاطفة، والمبادئ مع المصالح. وكلما اعتقد الإنسان أنه فهم الآخرين، فاجأته الحياة بوجه جديد لم يكن في الحسبان، وكأن النفس البشرية كتاب مفتوح، لكن صفحاته لا تُقرأ دفعة واحدة.
الإنسان بطبيعته كائن متغيّر، تحكمه الظروف بقدر ما تحكمه القيم. قد يبدو ثابتاً في مواقفه، لكنه يتبدل عندما تتغير المصالح أو تضيق الخيارات. وهنا تتجلى إحدى أعقد سمات البشر: القدرة على التكيّف، والتي قد تكون فضيلة حين تُستخدم للحكمة، وقد تتحول إلى نقيصة عندما تُستعمل للتبرير أو التخلي عن المبادئ.
إن من يتأمل سلوك الناس يدرك أن الكلمات ليست مقياساً حقيقياً للأخلاق، فالجميع يُجيد الحديث عن الوفاء والصدق والإخلاص، لكن القليل فقط من يُثبت ذلك عند أول اختبار. فالمواقف، لا الأقوال، هي التي تكشف معدن الإنسان، وتبرز صورته الحقيقية دون أقنعة.
ومن طبائع البشر أنهم ينجذبون إلى من يُحسن إليهم، لكنهم قد ينسون هذا الإحسان سريعاً إذا تعارض مع رغبة أو مصلحة. وليس ذلك بالضرورة شراً مطلقاً، بل هو انعكاس لضعف النفس البشرية حين تُترك دون تهذيب أو وعي. فالإنسان بطبعه يميل إلى ما يريحه، لا إلى ما يُصلحه.
ولعل أكثر ما يربك العلاقات الإنسانية هو التناقض؛ فالبشر قادرون على الجمع بين الحب والأذى، وبين القرب والجفاء، وبين الوعد والنسيان. قد يمنحك أحدهم شعوراً بالأمان، ثم يكون أول من يخذلك. لا لأنك أخطأت دائماً، بل لأن النفوس تتغير حين تتغير الظروف.
ومع ذلك، تبقى الحكمة في كيفية تعاملنا مع هذه الطبيعة، لا في محاولة تغييرها. فالنضج الحقيقي لا يعني أن نصبح قساة، بل أن نصبح أكثر وعياً. أن نُحسن الظن دون سذاجة، ونمنح دون إفراط، ونثق دون أن نغفل عن حدودنا.
وأقول هنا بأن ليس كل من ابتسم لك صادقاً، ولا كل من خذلك سيئاً .. فالبشر أبناء لحظاتهم، والواعي من يقرأ المواقف لا الوجوه .
ولكن دائماً أتساءل.. لماذا يتغيّر بعض الناس بعد أن نثق بهم؟
لعلي أجيب على ذلك.. لأننا في البداية نراهم بقلوبنا لا بعقولنا، فنمنحهم مكانة لم يطلبوها وربما لا يستحقونها. وحين تتكشف حقيقتهم، نظن أنهم تغيّروا، بينما الحقيقة أننا نحن من كنا نجهل حقيقتهم. فالمواقف لا تُغيّر الناس، بل تُظهرهم على حقيقتهم.
في فهم طبيعة البشر راحة للنفس، ونجاة من خيبات متكررة. فحين ندرك أن الإنسان ليس كاملاً، ولا ثابتاً، ولا معصوماً من التقلّب، نتعلّم أن نُحسن الاختيار، ونُجيد التعامل، ونحفظ قلوبنا دون أن نفقد إنسانيتنا.
فكن طيباً.. لكن لا تكن ساذجاً.
وكن واثقاً.. لكن لا تُسلم قلبك بلا وعي.
فهكذا فقط، نتعايش مع البشر دون أن نرهق أنفسنا.
malhajry1@gmail.com