مقال ( ص 8 ) يسار أعلى - الأحد 25-01-2026
في بيتنا القديم، حيثُ كانت الجدرانُ تشهدُ حكاياتِ الحبِّ الدافئ، وتتنفسُ أركانُه الحنانَ مع كلِّ صباحٍ جديد، كان العالمُ يبدو أصغرَ مما هو عليه، لكنه أكثرُ رحابةً وسلاما. هناكَ بينَ زواياهُ المتواضعة، كانت أمي تنسجُ دفءَ الأيامِ بكلماتِها الرقيقةِ ولمساتِها الحانية، كأن قلبَها وُجِدَ ليكونَ وطنًا يأوينا جميعًا.
أبي.. ذلكَ السندُ الصامت بوقار المتحدث ببلاغة الكبار. بوجهِه المشرقِ كلما أطلَّ علينا، كانَ حضورهُ كالشمسِ التي تمنحُ البيتَ ضياءه.
كانَ صوتهُ يبعثُ الطمأنينة، وخطواتهُ على أرضِ البيتِ كأنها إيقاعُ الأمانِ الذي تعلمتْه قلوبُنا الصغيرة.
إخوتي وأخواتي.. شركاءُ الضحكةِ الأولى، وصُناعُ ذكرياتٍ لا تُنسى. كنا نقتسمُ الخبزَ، ونختلفُ على الألعابِ الصغيرة، ثم نتصالحُ قبلَ أن يسدلَ الليلُ ستارَه، لأنَّ المحبةَ كانت قانونَ البيتِ الوحيد.
في بيتنا القديم.. لم يكن الثراءُ في الجدرانِ أو الأثاث، بل في القلوبِ التي احتضنتْنا، وفي الدفءِ الذي تسللَ إلينا من نظرةِ أمٍ حنون، ومن يدِ أبٍ يكدُّ ليصنعَ لنا غدًا أجمل.
هناكَ تعلمنا أن الحبَّ هو أثمنُ ما يمكنُ أن تمتلكهُ العائلةُ تحتَ سقفٍ واحد.
بيتُنا القديم.. لم يكن مجردَ مكان، بل ذاكرةٌ تنبضُ بالحياة، وجذورٌ تمتدُّ في أعماقِ أرواحِنا إلى الأبد.
الأروع في ذلك البيت أن أبوابه مفتوحة للجيران كما قلوبنا. لاحواجز. لا أقفال بل.. حبُُ وراء حبٍّ وراء حبْ.
هذا كان الأروع. أما ما يحزننا الآن هو أن الجيران القدامى وقعوا في فخ الفراق.
لم نعد نسمع ضحكاتهم ولا صرخات أطفالهم.
نهاية:
يتلبسنا الحنين حين تعود الذاكرة للجدران الأصيلة.
alfaleh222@yahoo.com