غلا عبدالجبار الحسن


كان الإنجراف يوماً سلوكاً يعاب ، ان تذوب في غيرك كان ضعفاً وان تفقد ملامحك كان خسارة لا تعوض كان الخروج عن العادات خزياً يهمس عنه بين الناس، كان الإنسان يومها يعتز بصوته كما يعتز بأسمه بلهجته التي تشبه ارضه ، بلابسه الذي يشبه رائحة بيته وبحلمه الذي لا يشبه إلا قلبه.
لكن شيئا فشيأً تغير المشهد اصبح الانجراف موضة والتفرد غربة لم يعد الصوت القادم من بيوتنا الأعلى بل الصوت الذي يُبث في كل شاشة وهاتف، تمدد في تفاصيلنا حتى صار الذوق عالميا والحلم مستورداً والهوية تراجع نفسها كل يوم ، اصبحنا نصفق لمن يشبه الصورة التي صنعها لنا ونعاتب من بقي يشبه نفسه . في عالم النسخ المتشابهة اصبح التفرد لوناً باهتاً والانجراف قناعاً يسمى تطوراً ، وهنا يكمن الخطر، حين يتجاوز الإعلام دوره في الاخبار ليصبح صانعاً للمشاعر وموجها للوعي، يختار ما نراه ويصوغ كيف نفهمه ثم يتركنا نعتقد اننا نفكر بحرية.
هكذا يولد التضليل، لا من كذبة صريحة بل من حقيقة ناقصة ومن مشهد يعرض دون سياقه فيتحول الصدق إلى نصفه والنور إلى ظله اصبح الإعلام اليوم لا يحمل رسالة فحسب بل يملك قدرة على إعادة تشكيل العالم كما يريد ،يلمع وجهاً ويُظلِم آخر، يخلق بطلاً من العدم ويصنع ذنباً من كلمة ، انه لا يغير الاحداث بل يغير طريقة رؤيتنا لها فقد لا يكذب كذباً صريحاً بل صدقاً ناقصاً، ليست المعلومة الخاطئة هي ما تخيف بل المعلومة التي تقال دون سياقها فتبدو حقيقة وهي تفتقر إلى نصفها الآخر ،فتفتح لك نافذة محددة وتغلق الف نافذة خلفها وهكذا تتشكل قناعات العالم كله من عين واحدة، عين تملكها مؤسسات لا تبحث عن الحقيقة بل على الأثر، على الرأي الذي يناسبها وعلى الصورة التي تخدم غايتها.
أصبح الإعلام لا يملي علينا ماذا نفكر بل فيما يجب ان نفكر « على هذا تنص نظرية وضع الأجندة التي ترى لأن الإعلام يختار المواضيع التي تشغلنا ويسلط الضوء على زوايا محددة من المشهد حتى يبدو العالم كما يريد هو ان نراه، فهنا يصبح صانعاً للمشاعر وموجهاً للوعي، يختار ما نراه ويصوغ كيف نفهمه ثم يتركنا نعتقد اننا نفكر بحرية. حتى الجمال لم يسلم من هذا التأثير ، اصبح العالم يملك وجهاً واحداً للقادة ، لوناً واحداً للبشرة وشكلاً محدداً للعضوية وصوتاً معيناً للهجة المقبولة، كل ما هو محلي اصبح بحاجة إلى فلتر عالمي كي يقبل. نحن لا نعيش عصر الاعلام فقط بل عصر الإجتياح الإعلامي، الإعلام الذي لا يكتفي بإخبارنا عن الآخر بل يجعلنا نتمنى ان نكونه.
ومع ذلك لا يزال فينا ضوء صغير يذكرنا أن هويتنا ليست صدى لأحد وأننا نستطيع ان نأخذ من العالم ما نريد دون ان نذوب فيه، ان ننفتح دون أن نضيع، أن نستفيد دون أن نتنازل. موضة الانجراف لن تدوم لأن الأصالة لا تزول.
Ghalaa2014@hotmail.com