خواطر الشهري


al.shehri.k@hotmail.com
صرت أحب أختصر، أبغى أعرف النتيجة قبل ما تبدأ القصة، وأفهم الخلاصة بدون ما أعيش الطريق، حتى المسلسلات لو أقدر أشوف الحلقة الأخيرة قبل الأولى، تأكد إني بشوفها بدون أدنى شك! صرت أستمع، لكن داخلي يسبق الحديث بخطوة، وكأنني أقول متى نصل إلى النقطة!

لم أعد أملك صبراً للتفاصيل، ولا مساحة ذهنية للتكرار، ولا رغبة في الدوران حول فكرة واحدة طويلاً؛ ولا للشرح!

هل هذا نضج؟ أو إرهاق؟ أم أننا نعيش زمناً لا يسمح بالتأمل أصلاً؟ ففي هذا العصر، كل شيء سريع! الأخبار، القرارات، العلاقات، وحتى المشاعر! نحن مطالبون أن نفهم بسرعة، نرد بسرعة، ونحسم بسرعة، العقل يعمل فوق طاقته، والقلب مؤجل دائماً إلى وقتٍ لاحق لا يأتي! ومع هذا الضغط المستمر، يصبح الاختصار مهرباً ذكياً؛ نحذف الزوائد لنحافظ على ما تبقى من طاقتنا.

لكن ماذا نخسر حين نختصر أكثر من اللازم؟ نخسر العمق، نخسر القدرة على الإصغاء دون استعجال، نخسر المسافة التي تحتاجها الأفكار كي تنضج، والمشاعر كي تُفهم لا كي تُصنَّف!

في العمل، نريد النتيجة، ونضيق ذرعاً بالطريق؛ نطالب بالكفاءة، وننسى أن الأخطاء جزء من التعلم! وفي العلاقات، نبحث عن الوضوح الفوري، ونهرب من التعقيد الإنساني الطبيعي، وكأن البشر يجب أن يكونوا مباشرين دائماً، بلا تردد ولا ارتباك؛ وفي الحياة عموماً، نختصر الحلم إلى هدف، والرحلة إلى محطة، ثم نتساءل لماذا لا نشعر بالامتلاء؟

الاختصار ليس خطأً في جوهره؛ أحياناً يكون علامة خبرة، وأحياناً أخرى يعتبر وسيلة لحماية الذات من الاستنزاف؛ لكن الخطر حين يتحول إلى أسلوب حياة! وحين يصبح رفضاً لكل ما يحتاج صبراً، أو حضوراً، أو شعوراً! فالخطر حين نختصر المواجهة، نختصر الحوار، نختصر الاعتراف، ثم نسمي ذلك وعياً!

ربما ما نعيشه ليس متلازمة 2026 بقدر ما هو تعب جماعي، محاولة هادئة وربما يائسة لنقول كفى! لكن الحياة لا تُعاش بالزبدة وحدها؛ بعض التفاصيل، رغم ثقلها، هي ما يصنع المعنى، بعض الطرق، رغم طولها، هي ما تجعل الوصول مستحقاً؛ فالسؤال الحقيقي هنا ليس لماذا نحب الاختصار؟ بل متى نعرف أن اختصارنا صار انسحاباً صامتاً من عمق الحياة!