عبدالله العزمان

هل نحن حقًا ما نحن عليه؟ ليس السؤال الذي يرهق شباب اليوم: من أكون؟ بل: لماذا لست مثلهم؟

بهذه المقارنة الخاطفة، التي تبدأ بتمرير الإصبع على الشاشة، يتشكّل تيه التفكير، لدى جيل يعيش تحت ضغط العرض الدائم. فكل منصّة تَعِد بنجاح أسرع، وحياة أجمل، وخيارات لا تنتهي. وبين صانع محتوى يستعرض يومه المثالي، وآخر يختصر سنوات الإنجاز في دقيقة، يجد الشباب أنفسهم محاصرون بسؤال خفي: هل نحن متأخرون ... أم أننا نسير في الطريق الخطأ؟
ومما لاشك فيه، فإن وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع الطموح، لكنها أعادت تعريفه. فالنجاح لم يعد مسارًا، بل صورة. ولم يعد نتيجة جهد، بل مشهدًا مكتملًا بلا كواليس. وفي هذا الصدد، تشير دراسة نُشرت في مجلة علم نفس الشباب عام 2022، إلى أن الاستخدام المكثف لمنصات التواصل، يرتبط بارتفاع القلق المرتبط بالهوية والمستقبل المهني لدى الشباب بنسبة 32%. فالذهن، حين يُقارن نفسه يوميًا بنماذج مصقولة، يفقد قدرته على تقييم ذاته بإنصاف.
وجدير بالذكر، أن المشكلة لا تكمن في المتابعة، بل في المقارنة المستمرة. فالعقل الشاب، في مرحلة التشكّل، يبحث عن نموذج يحتذى به ، لا عن معيار يُجلد به. غير أن المحتوى الرقمي، وفق تقرير الجمعية البريطانية لعلم النفس عام 2023، يعرض النجاح كمنتج مُعدّ، متجاهلًا الفشل، والتعثّر، والوقت، والدعم الخفي. وقد أظهر التقرير أن 70% من المحتوى المرتبط بالإنجاز الشخصي يقدّم صورة غير واقعية لمسار النجاح.
ومع هذا التشوّه، يدخل الشباب في حالة من تشظّي التفكير: حيرة بين تخصصات، قفز بين مسارات، وتردّد دائم في اتخاذ القرار، خوفًا من اختيار “الطريق الأقل بريقًا”.

وفي هذا الصدد، وتشير دراسة لجامعة أمستردام إلى أن متابعة النجوم الرقميين بشكل يومي، تزيد من التشتت الذهني وانخفاض الرضا الذاتي بنسبة 28%.

الوعي بهذه الظاهرة هو بداية الخروج منها. لذا، توصي بحوث علم النفس الحديثة بعدة خطوات عملية: أولها تقنين التعرض للمحتوى المقارن، إذ أثبتت دراسة لجامعة بنسلفانيا أن تقليل استخدام المنصات إلى نصف ساعة يوميًا، خفّض مستويات القلق خلال أسابيع. وثانيها، إعادة تعريف النجاح بمعايير شخصية نابعة من القيم والميول، لا من الأرقام والمتابعين. وثالثها، التركيز على التقدّم الهادئ المتراكم بدل اللهاث خلف القفزات السريعة.
ونافلة القول، أنه في زمن يعرض لك ألف حياة في اليوم، يصبح أهم قرار هو أن تعيش حياتك أنت.