ليس القلق طارئا نفسيا ولا عيبا ينبغي إخفاؤه، بل إشارة ذكية من جهاز عصبي يعمل فوق طاقته. إنّه الصوت الذي يرتفع عندما يطول الصمت الداخلي، وحين تُهمَل الإشارات الصغيرة حتى تتحول إلى ضجيج. ومن هذه النقطة تحديدًا يمكن قراءة أفكار كتاب «كيف نضبط القلق قبل أن يضبطنا» لعالمة النفس الإكلينيكية الأمريكية نيكول ليبيرا، بوصفه دعوة لإعادة تفسير القلق لا محاربته، وفهم منطقه بدل الاكتفاء بإسكاته.
فالإنسان الحديث لا يعيش قلقًا مفرطًا لأنه هش، بل لأنه يعيش في بيئة مصممة لإبقائه في حالة استعداد دائم: إشعارات لا تتوقف، توقعات متصاعدة، وإيقاع حياة لا يعترف إلا بالسرعة. وفي هذا السياق تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن القلق يُعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا.
الإشكال الأكبر لا يكمن في القلق ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. فالخطاب الشائع يدعونا إلى «التفكير الإيجابي» أو «التوقف عن القلق»، وكأن القلق قرار إرادي يمكن إلغاؤه. بينما توضح بحوث علم الأعصاب أن القلق في جوهره استجابة فسيولوجية تنشأ في الجهاز العصبي اللاإرادي، وتحديدًا في اللوزة الدماغية المسؤولة عن استشعار الخطر، وهي بنية لا تخضع للأوامر المباشرة.
وهنا تتقاطع أفكار الكتاب مع ما توصلت إليه دراسات علم الأعصاب المتخصصة، إذ تؤكد أن تهدئة القلق لا تبدأ من الفكرة، بل من الجسد. فتنظيم التنفس، وجودة النوم، والتعرض المنتظم للضوء الطبيعي، عوامل قادرة على خفض نشاط دوائر التهديد في الدماغ بصورة ملموسة. أي إن الجسد، حين يشعر بالأمان، يُعلِّم العقل الهدوء، لا العكس.
ومن هذا المنطلق يتبدد الوهم القائل إن القلق ضعف في الشخصية. بل هو، كما تُظهر البحوث الحديثة، نتيجة تراكم طويل من الضغوط غير المعالجة.
وثمّة فكرة أعمق تتكشف هنا: القلق المزمن ليس انفجارا مفاجئا، بل حصيلة رسائل لم يُصغَ إليها في وقتها. فالعمل المتواصل، والمشاعر المكبوتة، والانشغال الدائم، تتحول مع الزمن إلى حالة مستمرة من الاستنفار الداخلي. ولهذا فإن ضبط القلق لا يعني التخلص منه، بل بناء عَلاقة واعية به، تُقرأ فيها الإشارة قبل أن تتحول إلى إنذار.
من هنا لا يدعونا هذا الطرح إلى حياة خالية من القلق، فذلك وهم، بل إلى حياة نفهم فيها قلقنا قبل أن يقودنا. وخلاصة القول، القلق لا يربك حياتنا، بل تجاهل معناه هو ما يفعل ذلك.