العنود عبدالله عسيري


أشيرُ حقيقةً في عنوان هذا المقال إلى معلمات رياض الأطفال بوصفهن «مهندسات البناء الإنساني»، لا من باب المبالغة اللغوية، بل لأن هذا الوصف يعكس بدقة طبيعة دورهن المهني الحقيقي، فالمعلمة في هذه المرحلة لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تقوم بدور تخطيطي مركب إذ تصمّم البيئة الصفية والمادية وتعيد تشكيل المحتوى التعليمي وتختار طرائق التدريس والاستراتيجيات التعليمية بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة، وخصائصها النمائية، والعقلية، والانفعالية، وهو ما ينسجم مع مبادئ التعلم البنائي التي ترى أن الطفل يبني معرفته من خلال التفاعل والخبرة لا التلقين.
ويمتد هذا الدور الهندسي إلى المفاهيم ذاتها حيث تقوم معلمة رياض الأطفال بتفكيك المفاهيم المجردة والصعبة وإعادة بنائها في صورة خبرات تعليمية محسوسة ثم تُقدَّم بأساليب إبداعية بما يمكّن الطفل من الفهم وفق قدراته المعرفية وحدوده الإدراكية.
وتراعي المعلمة الفروق الفردية بين الأطفال من خلال تنويع الأدوات والوسائل التعليمية وتعدد أساليب العرض والتفاعل، بما يمنح كل طفل فرصة عادلة للتعلم وفق نمط تعلمه ووتيرته الخاصة واستعداداته المختلفة، فهي لا تقدّم المعرفة بشكل موحد، بل تعيد هندستها لتناسب التنوع المعرفي داخل الصف الواحد وهو جوهر العدالة التعليمية في مرحلة رياض الأطفال.
ولا تقتصر أدوار معلمة رياض الأطفال على حدود الصف، بل تتجاوزها إلى التعامل الواعي مع الاختلافات الثقافية واللغوية والاجتماعية بين الأطفال، فهي تتحدث بلغة الطفل وأسلوبه وتراعي خلفيته وتبني معه علاقة قائمة على الأمان والثقة والانتماء، بما يسهم في تعزيز الهوية وبناء الشعور بالاحتواء داخل البيئة التعليمية.
ينطلق هذا الدور المركّب من فهم عميق لحساسية مرحلة الطفولة المبكرة واهميتها بوصفها المرحلة التي يُبنى فيها الإنسان وتُشكَّل خلالها اتجاهاته وتُرسم ملامح هويته الشخصية والاجتماعية، ومن هنا فإن الاستثمار في معلمة رياض الأطفال وتمكينها مهنيًا وتقدير دورها المؤسسي والمجتمعي يُعد استثمارًا مباشرًا في بناء الإنسان وفي مستقبل المجتمع بأكمله.
alanoudasiri23@gmail.com