بينما كنت أقلب في هاتفي هذا الصباح، ظهرت أمامي صور من العام الماضي، كأن الزمن يمازحني ويذكرني بخفة أنني عشت لحظات جميلة تستحق الامتنان. ابتسمت تلقائيا، ثم شعرت بشيء يشبه الخوف يلامس قلبي كيف مرّت الأيام سريعا إلى هذا الحد؟ كيف أصبحت تفاصيل ظننتها قريبة جدا جزءا من ذاكرة عام يكاد يكتمل؟ ومع ذلك، لم يتسلل اليأس الى قلبي، بل كان هناك سؤال صغير يتردد ماذا بقي من عام 2025، وماذا يمكنني أن أفعل بما تبقى منه ؟
الحقيقة أن الإنسان حين يتأمل رحلته خلال الشهور الماضية يكتشف أن كثيرا من الأمنيات ما زالت معلقة، وكثيرا من الخطوات التي كان يفترض أن يخطوها لم تتحقق بعد. لكن الأجمل من كل هذا الإدراك أن يبقى في داخله شعور لطيف بأن الوقت لم ينته، وأن ما تبقى ليس مجرد أيام تسجل في التقويم، بل فرصة ناعمة لالتقاط أنفاسه وترتيب ذاته من جديد.
نحن أحيانا نثقل قلوبنا بفكرة أنّ علينا أن ننجز كل شيء في الوقت المحدد، لكن الحياة لا تعمل بهذه الصرامة. الحياة تمنحنا مساحات غير مرئية لنستعيد توازننا، ومسارات جديدة لم نفكر بها من قبل. أتذكر مقولة إحدى الزميلات لي عندما شعرت بخيبة أمل وعدم تحقيق ما أصبوا اليه منذ فترة طويلة: إن كل إنسان يجري بمضماره الخاص دون تعدي على الآخرين وفق خطة الله له فقط علينا السعي والله يدبر الأمر.
وإذا تأمل كل واحد منا، سيجد أن ما تبقى من هذا العام قادر على أن يغيّر شيئا ما، ولو كان ذلك التغيير صغيرا لكنه عميق. يمكننا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق، أن نصلح ما انكسر، ونقترب مما ابتعد، ونبدأ ما أخّرناه طويلا. وربما يكفي أن نمنح أنفسنا لحظة نشعر فيها بالسلام الداخلي، لحظة نقرر فيها أننا سنكمل الطريق بخفة لا بضيق.
الإنجاز الحقيقي ليس أن نضع علامة صح على كل هدف كتبناه، بل أن نصل إلى نهاية العام ونحن أكثر نضجا ولطفا وتصالحا مع ذواتنا. أن ندخل عام 2026 بروح مطمئنة تقول: لقد بذلت ما استطعت، وما بقي بيد الله وهو خير مما أتوقع.
ما زال في الأيام متّسع، وفي القلب رغبة، وفي الأمل عمر طويل. فلنبدأ من جديد كما يليق بنا، وكما يحب الله منا.
saa7@windowslive.com