يُعدّ مفهوم «انهيار السياق» واحداً من أخطر التحولات التي رافقت انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وهو المصطلح الذي لفت إليه الباحث الأمريكي مايكل وِش، أستاذ الأنثروبولوجيا الرقمية في جامعة كانساس، حين لاحظ مبكراً كيف بدأت الجدران غير المرئية التي تفصل دوائر حياتنا تتهاوى أمام تدفّق المحتوى الرقمي. ففي السابق كان ما نقوله موزعاً بين دوائر مختلفة: ما نبوح به للأصدقاء، وما نتبادله مع العائلة، وما نقوله في العمل، وما نكتبه للغرباء. لكل دائرة سياقها، ولكل جمهور نبرة تختلف عن الآخر، ولكل موقف حدوده التي تجعل الكلام مفهوماً ومضبوطاً. لكن مع صعود المنصات الرقمية، تغيّر كل ذلك؛ إذ أصبح ما نكتبه يصل إلى جمهور متداخل لا يجمعه شيء سوى وجوده خلف شاشة لا تخبرنا من يقرأ، ولا كيف يقرأ، ولا ما الذي يعرفه أو لا يعرفه عنّا. وهنا ظهر انهيار السياق: اللحظة التي يخرج فيها الكلام من محيطه الطبيعي ليُقرأ في محيط آخر تماماً، فتتحول النكتة الجانبية إلى رأي جاد، والتعليق العابر إلى موقف رسمي، والحديث الخاص إلى مادة عامة قابلة للتأويل بألف طريقة.
مايكل وِش، الذي درس الثقافة الرقمية منذ بدايات الإنترنت، لاحظ أن الإنسان حين ينشر محتوى على منصة مفتوحة فإنه لا يخاطب جمهوراً محدداً، بل جمهوراً مركّباً يجمع الأصدقاء والمعارف والغرباء والمراقبين والمتابعين الصامتين. كل واحد من هؤلاء يقرأ الكلام بخلفيته الخاصة، وبمزاجه، وبصورة قد لا تمتّ بصلة إلى نية الكاتب. وهكذا يصبح النص الواحد محاطاً بتفسيرات لا نهاية لها، تفسيرات قد تحمل سوء فهم، أو تبالغ في التأويل، أو تبني على افتراضات لا علاقة لها بما أراد صاحبه قوله. ومع هذا التداخل، يفقد الإنسان السيطرة على معنى كلامه، لأن المعنى ينتقل من يد القائل إلى يد المتلقي، وكل متلقٍ يفسّره وفق تجربته هو، لا وفق سياق من قاله. وهذه هي خطورة انهيار السياق؛ فهو لا يصنع فقط فوضى في التواصل، بل يصنع فوضى في المعنى ذاته.
لقد تحولت المنصات إلى فضاء مفتوح لا يمكن ضبط حدوده، وصار كل محتوى قابلاً للانتقال من سياق إلى آخر بسرعة هائلة: تغريدة تُقتطع من محادثة، وصورة تُستخدم لغاية مختلفة تماماً، وفيديو يُعاد تفسيره بإسقاطات لا تخطر على بال صاحبه. وهكذا تنتشر الآراء والمعلومات بطرق تغيّرها وتشوّهها، وقد تخلق أزمات لم يكن لها وجود أصلاً. وما يلفت الانتباه أن انهيار السياق لم يعد مجرد ظاهرة تقنية بل أصبح تحوّلاً ثقافياً يعيد تشكيل الطريقة التي نقول بها الأشياء، والطريقة التي نفكّر فيها قبل أن نقولها. فقد أصبح لزاماً علينا أن نكتب ونحن ندرك أن جمهورنا ليس جمهوراً واحداً، وأن ما نريد قوله قد يقرأه من لا يعرف نيتنا ولا خلفيتنا ولا محيط اللحظة التي ألهمتنا ذلك الكلام.
إنّ مفهوم انهيار السياق الذي قدّمه مايكل وِش يمنحنا إطاراً لفهم الفوضى الاجتماعية التي أطلقتها وسائل التواصل، ويكشف لنا لماذا أصبحت الكلمات تُفسَّر على غير معناها، ولماذا صار سوء الفهم جزءاً يومياً من حياتنا الرقمية. وربما يكون الدرس الأهم في هذا المفهوم هو وعي الإنسان بأن المحتوى الذي ينشره لم يعد ملكاً له بعد نشره، وأن العالم بات يتطلب حذراً جديداً، ووعياً جديداً، وطريقة مختلفة في التعبير تحفظ المعنى قدر الإمكان قبل أن يذوب في بحر التأويلات.
ahmadsinky@hotmail.com