محمد عبدالعزيز الصفيان يكتب:


ليست المدن مجرد أبنية من طين أو حجر ولا طرقات مرصوفة ولا أبراج عالية..
المدن ذاكرة ووجدان وروح حيث كانت أواسط المدن يوماً قلباً نابضاً بالحياة..
بيوت تحتضن الأسر، أسواق تعج بالضحكات، أزقة يملأها عبق الخبز، وصوت الباعة والأطفال وغيرها من مظاهر جميلة..
لكن مع مرور الزمن ومع ضغط الزحام وصخب الحداثة غادرها أهلها شيئاً فشيئاً فصارت بيوتاً مهجورة وأطلالاً يكسوها الغبار.
المدينة كائن حي يتنفس بساكنيه ويذبل برحيلهم..هي لا تموت لكنها تصمت حين نتخلى عنها وتبقى جدرانها تنزف حزناً حين نسلمها للإهمال والغربة. البيوت التي كانت حضناً للدفء تحولت إلى مساكن عشوائية للعمالة، والأسواق التي كانت تضج بالحياة صارت ظلاً باهتاً بلا روح والأزقة التي حفظت خطى الأجداد غدت صامتة تئن بلا صدى.
إعادة الحياة لهذه المدن لا تكون بالحجر وحده بل بالإنسان قبل كل شيء، فالأرض بلا ناس فراغ والحجر بلا روح خراب إذا أردنا أن نعيد نبضها فعلينا أن نعيد الإنسان إليها ساكناً محباً تاجراً زائراً وفناناً عندها فقط تعود الشوارع لتمتلئ بالحياة وتعود الجدران لتضحك مع أصوات الأطفال.
وقد شاهدنا في الكثير من مناطق المملكة أمثلة ملهمة حين تحولت أواسط المدن إلى مراكز نابضة بالأنسنة وجودة الحياة من ساحات تحتضن الفعاليات الثقافية إلى أسواق أعيد ترميمها بروحها الشعبية ومقاهٍ تراثية تستقطب الزوار..
هذه التجارب أثبتت أن الاستثمار في قلب المدينة يعيد إليها نبضها ويجعلها مقصداً لأهلها وضيوفها.
نعم تحتاج بعض هذه الأحياء داخل أواسط المدن إلى بنى تحتية حديثة شوارع منظمة مواقف كافية وإنارة مضيئة..
لكنها تحتاج أكثر إلى أن نؤمن أنها ذاكرة لا يجوز التفريط فيها. تحتاج إلى بيوت تترمم بأسلوب يحافظ على روحها القديمة وتتحول إلى مقاهٍ تراثية أو مكتبات أو ملتقيات فنية تحتاج إلى أسواق شعبية تحيا من جديد وتستضيف مهرجانات ومواسم تعيد الناس إلى قلبها تحتاج إلى فعاليات ثقافية وفنية لتعيد الانسجام بين الماضي والحاضر.
التقنية الحديثة ليست خصماً لهذه الأحياء بل سنداً لها.
إنارة ذكية وإدارة مرور متطورة وأنسنة مدن تتوافق مع جودة الحياة، وخدمات رقمية تجعل المكان جاذباً للجيل الجديد دون أن تطمس ملامحه التاريخية من خلال المحافظة على هويته العمرانية.
ختاماً..
إن تجربة المملكة في أنسنة الأواسط أعادت الروح لمناطق كثيرة كانت على وشك الاندثار وأثبتت أن الاستثمار في قلب المدينة استثمار في الإنسان نفسه.
moad_aziz@hotmail.com