غنية الغافري


أضطر للاحتفاظ ببعض الأطعمة في الثلاجة لحين فراغي لأعيد الاستفادة منها من جديد، إما بتسخينها أو يكون مصيرها «قمامة الأطعمة»، للأسف بعض مضي ثلاثة أيام وهو العمر الافتراضي للأطعمة المتبقية في ثلاجتي.
شاهدت عن طريق إحدى وسائل التواصل سيدة عربية تخرج صحن كيك مضى عليه أكثر من أربعة أشهر وقد تخشبت كل جزيئاته وبدا وكأنه ألواح على شكل كيك ! وأعطتنا هذه السيدة مقدمة عن حفظ النعمة ثم ألقت بقطع الكيك في مطحنة المواد الصلبة حتى تحول إلى طحين ثم عركته بمادة سائلة وجعلت منه عجينة قامت بتشكيلها لقطع دائرية وقدمته كطبق جديد واحتفظت بالباقي في الثلاجة لاستخدام مختلف.. وبغض النظر عن اتفاقي مع هذه السيدة أو اختلافي معها، لكن اكتشفت وجود الكثير من ربات البيوت يحملن هذا الهم ويشعرن بالذنب المضاعف حيال التفريط بالنعم وفي هذا السياق حدثتني إحدى الزميلات عن مغامرات قريبتها التي تحتفظ بالأطعمة الجاهزة والمعلبات بعد انتهاء صلاحيتها رغم معارضة عائلتها حتى أنها تقوم بغش تجاري منزلي ! وتغير تاريخ المعلبات حتى لا تتعرض للوم من أسرتها باعتبار أنهم مسرفون ! ومن إحدى مواقفها أنها تقوم بتجميد القهوة المتبقية في «الدلة» وتجميعها وتسخينها في كل مرة كما أنها قامت في احد المرات بغسل مكرونة دجاج وحولتها لمكرونة بطعم مختلف.
إن تكريم النعمة سببًا في استمرارها وزيادتها، بينما الاستهتار بها يؤدي إلى زوالها وفي الحديث يقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن له فضل زاد فليعد به على من لازاد له»، وعلى الرغم من أهمية حفظ النعمة إلا أني في مقالي هذا سأسبح عكس التيار حيث أن أغلب مقالات التوعية المنتشرة عن التحذير من الإسراف والتبذير بينما حديثي عن مغالاة البعض في حفظ النعمة !
وفي العصور القديمة ونتيجة الفقر والحروب وضرورة البقاء على قيد الحياة وتجنب المجاعة لجأ الناس لطرق متعددة لحفظ الأطعمة رغم التحديات الكبيرة في عملية الحفاظ على الطعام لفترات طويلة بسبب عدم وجود تقنيات التبريد الحديثة حيث استخدم الناس مجموعة متنوعة من الطرق لحفظ الطعام كالتجفيف والتمليح والتخمير والتبريد الطبيعي في الكهوف أو الأقبية، وفي هذا العصر ما الذي يدعونا للمبالغة والغلو في إعادة تدوير الأطعمة وتعريض صحتنا للخطر ! إن تخزين الأطعمة لفترات طويلة يحتاج تقنيات وطرق مقننة حيث إن ترك الأطعمة المطبوخة في درجة حرارة الغرفة أو درجات برودة غير مدروسة لفترات طويلة تسمح للبكتيريا الضارة مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية بالنمو والتكاثر بسرعة، مما قد يؤدي إلى التسمم الغذائي خاصة وأن الطبخ المنزلي لايحتوي على مواد حافظة .
إن أنسب الطرق للحفاظ على الطعام وعدم رميه وفي ذات الوقت عدم الشعور بتأنيب الضمير هو تجفيفه وجعله طعاماً للمواشي والحيوانات. وفي الحيوانات أجر كما في الإنسان وفي كثير من الأحياء حاويات خاصة للأطعمة المخصصة للحيوانات أو يمكن الاتفاق مع أصحاب العزب والرعاة لاستلامها
أخيراً..
يميل الناس إلى المبالغة في كل شيء، إلا أخطاءهم يرون أنها لاتستحق النقاش.
ganniaalghafri@gmail.com