ضمن المشاهد اليومية التي تقذفها علينا وسائل التواصل الاجتماعي وتلوث بها أسماعنا وأعيننا و»تحوّم» بها أكبادنا مشاهد المقالب أو الترندات التي نسأل الله تعالى أن يخلصنا منها عاجلاً غير آجل ! ومنها مشهد شاب يضحك هستيرياً بعد أن نجح في إعداد مقلب في والده وسلب هيبته أمام المتواجدين حوله ! ويصدق في هذا الشاب مقولة أهل نجد «لا شيمة ولاحشيمة» أو «لا شيمة ولا جيمة» كما ينطقها الكويتيون وتعني أنه فقد المروءة ولم يترفع عما لا يليق، والحقيقة المرة أن من عجيب نقص المروءات أن الناس لم تعد تستحي أو «تُشيّيم» بعضها ! وأصبح الشعارالدارج «أنا ومن بعدي الطوفان»، ولا عزاء للدقة القديمة أصحاب المواجيب والتقاليد والأعراف والسلوم ! وإذا لم يتماهى هؤلاء ويدركوا أن المجتمع لايتحمل أمثالهم، فإنهم سيجلبون لأنفسهم الأمراض النفسية وسيكونون غرباء وضحايا جمودهم وسلومهم ! وعليهم أن يعكفوا على كتب العرب وقصص التراث ليتزودا بالطاقة التي تعينهم على استمرار الحياة وتكسبهم الأمل فالحرية المطلقة التي يتلبسها البعض على حساب الدين والعادات والذوق العام والهوية مستفز ومتعب ! وسبب في تدني تقدير الإنسان واحترامه أما دعاة التربية الحديثة والحرية المطلقة فدواهم «خضرية» ! والخضرية هي أحد أسماء العصا في بعض اللهجات الخليجية ! لأنهم أنسوا أبناءنا مفردات التربية الراقية وأبعدوهم عن حياضها!
أما ما نراه اليوم من بعض المشهورات والتصرفات غير المسؤولة في اللباس واستعراض الجسد والتنافس على الشكليات ووضعها مقياس للشهرة ووضع «الفوكس» على مناطق «تفشل» ليست إلا قلة حشيمة للنفس والمجتمع والكرامة والحشمة.
والستر ليست قيمة إسلامية عربية فقط بل هي فطرة لكل إنسان راقي وأتذكر فرض ملكة بريطانيا إليزابيت الثانية على المدعوين في حفل زفاف أحفادها اللباس الساتر وامتثال الجميع حشمةً لها، وفي عالم الدبلوماسية فإن بعض المسؤولات يتعمدن اللباس الساتر في زياراتهن الرسمية للدول الإسلامية، بينما البعض تضع رجلاً على رجل ووجه الحذاء في «خشم» المستضيف المسكين !
والحشمة والحشيمة والشيمة كلمات عامية لكنها عربية صحيحة. يقال فلان محشوم وله الحشمة والحشيمة أي الكرامة والحفاوة فهو حشيم أي مهيب مكرم لديهم يستحيون منه ويهتمون به جاء في المعجم الوسيط «الحشمة بكسر الحاء: الحياء والمسلك الوسط المحمود والحشيم صفة مشبهة لها معان متقدمة فالحشيم المحتشم المهيب والجار والضيف والجمع حشماء و»احتشم» سلك في حياته مسلكاً محموداً واحتشم بأمره اهتم به
ويقال «ثلاث أرباع المحبة حشيمة» وهو تعبير عربي يقال لبيان أن المحبة الحقيقية تتجلى في الاحترام والتقدير، وأن جزءاً كبيراً من المحبة يكمن في الحفاظ على كرامة الشخص وتجنب إهانته بمعنى آخر المحبة الصادقة تتطلب الحشمة والاحترام المتبادل.
أما الحشمة فعدا أنها تحمل معنى اللباس الساتر، فقد تتعدى إلى الكثير من السلوكيات التي إن أضيف لها هذا اللفظ دل على رقيه فهناك الصوت المحتشم والمشية المحتشمة والضحكة المحتشمة وغيرها ويقال في البيع والشراء «استخدام حشمة» أي لم يتعرض لأفعال تجرده من خصائصه وصفاته المميزة وبقي جديداً يغري المشتري في اقتنائه وكانت والدتي -رحمها الله- إذا وصفت شخصاً بالبر والرحمة والصلة تصفه بقولها «فلان فيه شيمة» أما صاحب الخلق الرفيع فهو «حشيم».
ويقول البعض عندما يستنفذ كافة خيوط الأمل في تعديل المائل من تصرفات البعض على سبيل الاستنقاص ! «الحشيمة مو لك» ! الحشيمة لفلان أو قبيلته أو أي رمز من رموزه.
وأخيراً يقول المثل الكويتي «لحية احشمها ولحية احشم لحيتك عنها» بمعنى عندما يأتي النقد من شخص اعتباري من غير أن يتخلله ابتذال فلا بأس بالرد عليه بذات الدرجة من الرقي، أما البذيء قذر اللسان فاحشم نفسك عنه ولا تنزل لمستواه.
ganniaalghafri@gmail.com