د. محمد حامد الغامدي


مع ندرة موارد المياه الطبيعية، وزيادة الطلب المتعاظم على المياه سنة بعد أخرى، أصبحت المصادر المائية الاصطناعية، خاصة في مجال القطاع السكني، أحد أركان مقومات الحياة في بلدنا، سقاها الله. ولكن بجانب هذا الإنجاز علينا أيضا تركيز الاهتمام بما يضمن استدامة عطاء المصدر المائي الطبيعي الوحيد في مناطق الصخور الرسوبية التي تشكل ثلثي مساحة بلادنا. إنها مناطق الخزان الاستراتيجي للمياه الجوفية الأحفورية القابلة للنضوب بفعل السحب الجائر. وحتى نضمن استدامتها لابد من تقنين الزراعة في هذه المناطق، وفق أولويات تمنع النضوب، وهبوط مناسيب المياه بفعل السحب الجائر العشوائي على زراعات غير اقتصادية.
هذه المياه الجوفية الأحفورية يستحيل تنميتها بفعل عوامل طبيعية لا يمكن السيطرة عليها. ستنضب بانتهاء مخزونها من المياه. شواهد نضوبها كثيرة، منها انخفاض مناسيبها لدرجة مقلقة. ورضوخا لحقائق الظروف الجيولوجية والجغرافية والمناخية يجب علينا.. «أكرر آلاف المرات: يجب علينا» اللجوء إلى تنمية المياه الجوفية المتجددة في مناطقنا المطيرة في جبال الجنوب الغربي «جبال الحجاز والسراة». علينا العمل وفق خطط وبرامج لزيادة غلتها من مياه الأمطار لصالح الحياة والبقاء لجميع مناطق المملكة، وذلك باستغلال التركيبة الجيولوجية لبلادنا وتوظيفها لصالح تنمية هذا النوع من المياه الجوفية.
هناك ضرورة قصوى، تجبرنا عليها الحقائق، أن نلتفت إلى مناطقنا المطيرة، ونعطيها اهتماما استثنائيا. إنها مناطق الخزان الاستراتيجي للمياه الجوفية المتجددة، ويطال نفعها بقية المناطق، خاصة المناطق شرق هذا الخزان، عبر هضبة نجد وحتى الأحساء على الخليج العربي. رغم صغر مساحة هذه المناطق المطيرة، حوالي «240 ألف كيلومتر مربع» مقارنة بمساحة المملكة «2.15 مليون كيلومتر مربع»، ألا أنها تحصد سنويا ما بين «15 – 60» مليار متر مكعب سنويا من مياه الأمطار.
أيضا يمكننا مضاعفة تلك الأرقام بالطرق والوسائل والنظم التقليدية السائدة عبر القرون في هذه المناطق المطيرة. هناك نظم تقليدية علمية أثبتت نجاحها منها: التخطيط البيئي وإدارة البيئة. علينا تفعيلها وتوظيفها لخدمة صيد وحصاد الأمطار، وتجميعها وتخزينها تحت سطح الأرض، بوسائل بناء المساطب أو ما نعرفه باسم: «المدرجات الزراعية». وهي نظم تحقق أكثر من هدف، وليس لها أي بديل.
إن الاهتمام بالبيئة وتنمية غطاءها النباتي يحمل سر نجاح استدامة مياه الأمطار وزيادة غزارة هطولها.
الأنظمة المائية التقليدية هي نظم علمية تقوم على استحلاب السحاب. ثم استقبال قطراته على الأرض بحفاوة، عبر أنظمة وأدوات ووسائل فاعلة متقنة الأداء، تحقق فائدة كل قطرات الماء النازلة من السماء. يتم استقبال المطر كضيف عالي المقام. يتم تهيئة البيئة بما عليها من مجموع خضري، مع بذل جهود استثنائية لتنميته، وجعله أداة إغراء لاستحلاب السحاب، فينزل مطرا بغزارة.
هكذا جعل أجدادنا في هذه المناطق، للمطر شأنا وأهمية، فكانت حياتهم قائمة على خدمة البيئة، وتهيئتها لتحظى بأكبر غلة من المياه الطبيعية. الثمن الذي كانوا يدفعونه هو جهدهم وسنين عمرهم، بجانب خبراتهم التراكمية، ليظفروا بثمرة البقاء.
نتيجة لذلك أصبحت هذه المناطق المطيرة ميدان حرب سرمدية ضد العطش. البقاء كان هدفهم الاستراتيجي. فتأسست خططهم، وبرامجهم وفق رؤيا تحقيقه. وقد مكنهم نجاحهم من تحقيق البقاء عبر التاريخ دون هجرات من مناطقهم. ويستمر الحديث.
@DrAlghamdiMH