@SaudAlgosaibi
تأتي إطلالة كل عام بالتحضير لما يليها، وكما تتغيّر الفصول تجيء تخمّم أعمالها ولموسم جديد. وأحببت هنا أن آتي لأحدثكم عن الدمام بعد استراحة، ولعلها أتت بما هو فيه خير وكنز من كنوز أروقة التاريخ، فالدمام هي عاصمة المنطقة الشرقية ومركزها الإداري، فيها الدوائر الحكومية، وبها الميناء البحري والمطار. إلا أن القليل تحدث عن نشأتها، فالروايات حولها وسبب تسميتها مضطربة.
وقد بحثتُ سابقا عن تاريخها المثبت إلا أن القليل من المراجع ذكرتها كما في بعض الأحداث المتأخرة. وقد أعجبتني دراسة تاريخية أعدها محمد الخان بعنوان «الدمام قلعة وتاريخ»، صدر في عام 2017م، وقع بيدي مؤخرًا، وجاء فيه مجموعة من الملخصات والمصادر للمهتمين بالبحث عن نشأة تلك المدينة. وأحببت هنا أن أقف لأتحدث عن شيء مما في هذا الكتاب القيِّم ولعله يبيِّن لنا أصل المدينة.
تحدث الكتاب عن الدمام ذاكرًا أن أقدم ذِكر لها جاء لدى البرتغاليين في رسالة من قبطان هرمز إلى ملك البرتغال سنة 957هـ، يُخبره فيها عن حال القطيف بعد أن استولى العثمانيون عليها، وسلّمت دون مقاومة من حاكم قلعتها.
ومن تبعات ذلك الاستيلاء أن شن البرتغاليون حملة عسكرية، فرست مراكبهم فيما اعتقد الكاتب أنها بقرب بئر الماء القديمة بالدمام، والذي كان يقع بجوار قلعتها. إلى أن علقت مراكبهم وتمكّن منهم بالنهاية العثمانيون، بعد قتال وانسحاب البرتغاليين إثرها عائدين إلى جزيرة هرمز.
ومما يتضح من سياق السرد أن كلًّا من القطيف والدمام كانتا تحت الهيمنة البرتغالية قبل قدوم الجيش العثماني، وأن تلك الجهة من الساحل الشرقي استولى عليها من حكام الساحل الشرقي للخليج العربي زمنها «الجبور»، والتي كانت عاصمتها الأحساء. ومن أهمية تلك الوثيقة أنها جاءت لتغطي فراغًا بالتاريخ لم يُسرد من قبل.
ومما ذُكِر في الكتاب رسالة أخرى أرسلت إلى ملك البرتغال من أحد القيادات العربية الموالية للبرتغاليين في تلك الفترة في 958هـ – 1551م أن هجومَين استهدفا القطيف والبصرة، استطاع فيها البرتغاليون احتلال القطيف، وتدمير قلعتها، وجاء في الرسالة إشارة إلى قلعة أخرى احتمى فيها العثمانيون، وسبق أن دمّرت، ويعزو الكاتب أنها كانت قلعة الدمام.
وقد أشار الكاتب أيضًا إلى الرحّالة (ج. ج. فوستر سادلر)، زارها مؤكدًا ترميمها من قبل جابر بن رحمة، وليس بناؤها. كما وصف بالكتاب عن رحَّالة آخر زار قلعة الدمام عام 1322هـ - 1904م (ج. ج. لويمر) مصورًا إياها.
ومما ذُكِر اسم الدمام ووصفها وقلعتها بأنها مهجورة وبها قلعة صغيرة تقع على جزيرة صخرية قريبة من اليابسة يأخذ بناؤها نمط القلاع البرتغالية.
كما أشار الكاتب إلى أن بدء اسم الدمام بالظهور بعد أن أعاد ترميمها جابر بن رحمة.
وفي رأيي الخاص بعد قراءة تلك الوثائق البرتغالية التي وردت بالكتاب، وملخصات الرحَّالة، والتي فصَّلت موقع الدمام، وزيارتها القديمة، أن أساسها هو تلك البئر المجاورة لها، وربما أنه كان موقع البناء بسيطًا؛ مما يجعل الموقع عربيًّا وليس برتغاليًّا، ويجعلها أسّست في زمن الجبور حكام المنطقة آنذاك أو ربما أقدم.
كما أعلل أن اسم الدمام عربي وليس كما يعتقد البعض أنه ربما أن يكون برتغاليًّا أو من أوصاف للاسم، كما مع صوت قرع الطبول.
وبرأيي أن معنى اسم الدمام كما جاء صريحًا في مراجع اللغة العربية «الحُمرة تزيِّن بها المرأةُ وجهَها»، وهي كذلك، فالمنطقة الشرقية زانت بها.