د. شلاش الضبعان

@shlash2020

أعتقد أن لدى كثير منا أزمة في اختيار الأصدقاء، خصوصاً الشباب والشابات في مقتبل العمر، ولذلك كثيراً ما نسمع: انصدمت!

فقد اختار صداقة من لا يناسبه، وصُدم به بعد سنوات من الثقة والانقياد وإفشاء الأسرار، وقد يكون الندم مضاعفا حين نخسر من لا يستحق أن يُخسر بسبب من ظنناه صديقاً.

لمن لم يحسن اختيار صديقه حتى الآن قدم محمد بن حميد الطوسي الذي كان من كبار قيادات جيوش الخلافة العباسية نصيحة جميلة ذكرها شهاب الدين النويري في كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب» حيث ذكر: حكي عن محمد بن حميد الطّوسىّ أنه كان يوماً على غدائه مع جلسائه إذا بصيحة عظيمة على باب داره، فرفع رأسه وقال: ما هذه الضجّة؟ من كان على الباب فليدخل؛ فخرج الغلام ثم عاد إليه وقال: إن فلاناً أُخذ وقد أوثق بالحديد والغلمان ينتظرون أمرك فيه؛ فرفع يده من الطعام؛ فقال رجل من جلسائه: الحمد لله الذي أمكنك من عدوّك، فسبيله أن تسقي الأرض من دمه؛ وأشار كلّ جلسائه عليه بقتله على صفة اختارها، وهو ساكت؛ ثم قال: يا غلام، فكّ عنه وثاقه ويدخل إلينا مكرّما، فأُدخل عليه رجلٌ لا دم فيه؛ فلما رآه هشّ إليه ورفع مجلسه وأمر بتجديد الطعام، وبسطه بالكلام ولقّمه حتى انتهى الطعام، ثم أمر له بكسوة حسنة وصلة، وأمر بردّه إلى أهله مكرّما ولم يعاتبه على جرم ولا جناية، ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم: إنّ أفضل الأصحاب من حضّ الصاحب على المكارم، ونهاه عن ارتكاب المآثم؛ وحسّن لصاحبه أن يجازي الإحسان بضعفه، والإساءة بصفحه؛ إنا إذا جازينا من أساء إلينا بمثل ما أساء فأين موقع الشكر على النعمة فيما أتيح من الظفر! إنه ينبغي لمن حضر مجالس الملوك أن يمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد، فإنّ ذاك أدوم للنعمة وأجمع للألفة؛ إن الله تعالى يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ».

إذن نحتاج أن نراجع وضع الصديق والصديقة كل فترة: هل صديقك يحضّك على المكارم أم عكسها؟ وهل ينهاك عن ارتكاب المآثم أم يسهلها لك؟ وهل يحسّن لك الإحسان وفعل الخير أم يوغر قلبك على الآخرين وأحياناً أهلك وأقاربك؟

أيضاً وصية الطوسي تصلح لكل مسؤول: يا ليت تعتني بفريقك.