يبحث الأفراد عن العمل في مؤسسات يشعرون فيها بالراحة النفسية والوجدانية، لا سيما أنه لم يعُد في مقدور الأفراد حاليًّا التسامح مع الإساءة أو العدوانية أو العلاقات السيئة في بيئة العمل، مثلما كان يحدث بالماضي. فلقد أشارت إحدى الدراسات العلمية إلى أن بيئة العمل السامة تعتبر السبب الرئيسي لمغادرة الأفراد عملهم، كما أنها تساهم في شعورهم بالاستياء بمعدل يفوق عشرة أضعاف سخطهم عما يتقاضونه من أجور ومرتبات. إن بيئة العمل السامة هي تلك البيئة التي يشعر الأفراد فيها بصعوبة في أداء عملهم، كما يعانون من العراقيل والحواجز التي تحول دون تقدُّمهم المهني، وذلك بسبب الأجواء السلبية، والمكائد والدسائس التي يحيكها لهم زملاؤهم أو رؤساؤهم، أو القيود التي تفرضها لوائح المؤسسة وقوانينها.
ولربما يدور تساؤل في ذهن البعض: لِمَ لمْ توصف بيئة العمل هذه بالسيئة أو الرديئة مثلًا، فلربما كان ذلك وافيًا بالمعنى، فلما استخدم بالتحديد لفظ سامة بديلًا عن اللفظين السابقين؟ في الحقيقة أن استخدام لفظ سامة لوصف بيئة العمل السيئة يعود إلى آخر الستينيات، حيث احتوت في تلك الحقبة الزمنية بيئات العمل على مخاطر جسيمة، شملت المواد الكيميائية المسرطنة، والفيروسات والميكروبات المعدية، ثم اتسع المعنى في الثمانينيات ليصف اللوائح والسلوكيات السيئة في بيئة العمل بالسامة؛ لأنها كانت تحمل نفس الآثار السلبية والمعاناة الناشئة عن مخاطر المواد الكيميائية والفيروسات والميكروبات.
وفي الواقع، أنه عندما يستعديك الآخرون في بيئة العمل، زملاء كانوا أم رؤساء، ويكيدون لك الدسائس والمؤامرات، ويعاملونك بقسوة، فإن ذلك يصعّب من أدائك مهام عملك، وبمرور الوقت تتفشَّى مثل هذه السلوكيات في بيئة العمل السامة، وتصبح مقبولة وطبيعية، كما تشجّع المتنمرين، وتحثهم على سلوكهم، ولا يتم اتخاذ أي إجراء ضدهم إذا ما تمت الشكوى أو الإبلاغ عن انتهاكاتهم. وإذا كان هذا الحال بالنسبة للتنمُّر، فلا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للمضايقات، سواء اللفظية منها أو البدنية، فهي مرحَّب بها، ومسموح بها في بيئة العمل السامة، لدرجة أنها يتم التعامل معها وكأنها أمر طبيعي ومقبول، وإن لم تتقبَّلها واعتبرتها مساسًا بكرامتك فأنت في نظر الآخرين في تلك البيئة حساس أو صغير العقل؛ لأنك تهتم بمثل هذه التفاهات والبذاءات المتكررة، فمن المفترض من وجهة نظرهم أنه إذا ما تمَّ التطاول عليك أن تتقبّل الأمر بهدوء، ولا تنفعل ولا تنزعج، فهي أمور لا تستحق.
وما دامت تلك البيئة تدعم المضايقات وتشجِّع المتنمِّرين، فمن الطبيعي أن تعجَّ بالصراعات والخلافات بين أفرادها، ولا تحاول الإدارة حلَّها أو تهدئتها، فهي من وجهة نظرها أمر إيجابي أو بنَّاء في بيئة العمل، فمن طبيعة البشر الخلاف، وإذا ما فكَّر المتضرر في الشكوى فلن يتم إزالة أسباب شكواه، فالإدارة ترى في الصراعات والخلافات بيئة خصبة للنميمة والقيل والقال، وتناقل الأخبار، وهو ما يُبقيها على علم بكافة التفاصيل. ويا ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل إن الإدارة في تلك البيئة قد تتعمَّد تحريض الأفراد وتشجيعهم على إلقاء اللوم وتشويه سُمعة بعضهم البعض، تتعامل الإدارة بقسوة مع الأفراد لدرجة تضطر البعض إلى الالتزام الصارم بالتعليمات الحرفية، وعدم المناقشة أو الاستفسار خوفًا من إزعاج المسؤولين أو مضايقتهم، مثل تلك الإدارة تعطي أولوية للعمل، وتقدِّم مصالحه على مصالح العاملين.
وفي الحقيقة، أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التعايش أو التكيُّف مع بيئة العمل السامة أو تحمُّل ما يجري في أروقتها، فمَن يعمل فيها كمَن يتجرَّع سُمًّا، سينتهي به إما الى الاحتراق الوظيفي أو المرض، ولربما كان سبيل النجاة الوحيد له هو ترك العمل في تلك البيئة، ولكنه إن اتخذ القرار الشجاع بترك العمل، والانتقال لعمل آخر، فإنه للأسف لن يستطيع التعافي من أضرارها السلبية عليه سريعًا، وستبقى خالدة في ذاكرته تؤرق عليه راحته، وتضر أداءه الوظيفي.
ولقد ذكر أحد الكُتَّاب الإداريين أنه حكى له أحد الأفراد الذي عانى من تجربة العمل في بيئة سامة، أنه بعد أن انتقل لعمله الجديد لم يستطع نسيان تجربته ومعاناته السلبية في العمل في بيئةٍ سامة، لدرجة أنه كان ينزعج من صوت رنَّة بريده الإلكتروني؛ لأنها كانت تذكِّره بتجربته المؤلمة في بيئة عمل سامة، وكان حذرًا للغاية لدرجة أنه كان يدقِّق في كل كلمة يتفوَّه بها خوفًا من أن يتم تحريف معناها، ومساءلته عليها.
خلاصة القول إن سُمَّ بيئة العمل السيئة لا يقتصر على التواجد في أروقتها فحسب، بل قد يتعداها ليلازمك إن تركتها، وانتقلت إلى بيئة أخرى أفضل، فسيبقى حاضرًا في ذهنك، يذكِّرك بآلامك فيها، وينغِّص عليك حياتك المهنية اللاحقة.
@drmervat111111