abdullaghannam@
لو تأملنا الكثير من المخاصمات والمشاكل الأسرية والاجتماعية والمهنية، سنجد أن جُلّها يرجع إلى (اللسان)، فرُبَّ كلمة أو تعليق أو جملة في غير محلها تسببت في قطيعة بين أقرباء أو أصدقاء تدوم لسنين. بل أبعد من ذلك، فرُبَّ كلمة كانت سببًا في حرب أو قتال أو إزهاق نفس -لا سمح الله-.
وكما سمعنا وسمعتم من أحداث مؤلمة كان سببها كلمة، لو لم تخرج لما كان الأسف والندم. وصدق مَن قال: رُبَّ كلمة قالت لصاحبها دعني، بل ربما تكون لسبب أعظم من ذلك، فقد جاء في الحديث النبوي: «وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ». وفي الحديث الآخر: «ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أو علَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم». ومن قوتها (الكلمة) قالت العرب عنها: رُبَّ قول أنفذ من صول (الصول: الشدة والسطوة).
إن مشكلة الكلمة أنها إذا خرجت لا تعود، كالرصاصة إذا خرجت من البندقية. وقد حذر الحكماء والعقلاء من زلات اللسان، وأنها أشد من زَلة القَدم، والشاعر يقول: يموت الفتى من عثرة لسـانه... وليس يموت المرء من عثرة الرجل. وفي هذا الصدد، يُقال إن من أسباب حقد والي البصرة على ابن المقفع أنه كان يدخل عليه ساخرًا فيقول له: السلام عليكما، يقصد بذلك أنف الوالي الذي كان كبيرًا!! أي أنه (يطقطق عليه باللهجة العامية). ويُقال أيضًا إنه زل بلسانه في حق أم الوالي، فكان الوالي صابرًا، ويتحيَّن اللحظة المناسبة للانتقام، فلما جاء اليوم المشهود الذي سقط فيه ابن المقفع قال له: «إن لم أقتلك قتلة لم يُقتل بها أحد قبلًا، ولن يُقتل بها أحد بعدًا».
ومن اللطائف في هذا الباب، أن الصمت كان من العلامات للنبي زكريا عليه الصلاة والسلام بأنه سوف يرزق بالولد بعد ما بلغ من العمر عتيًّا، حيث لم يستطع الكلام لمدة ثلاثة أيام. ومريم عليها السلام التزمت الصمت؛ لأنها كانت في يومها ذلك (صائمة وصامتة)، فأشارت إلى رضيعها، فكانت المعجزة أن نطق عيسى عليه الصلاة والسلام.
إذًا هو من نافلة القول إنه في كثير من الأحيان اللوذ إلى كهف الصمت أسلم، بل هو قد يكون الدواء وأفضل الحلول، وصدق الشاعر حين قال: ولئن ندمت على السكوت مرة... فلقد ندمت على الكلام مرارًا!
ولعلي أقترح أن يكون هناك (يوم عالمي للصمت) يتدرب فيه الإنسان على قلة الكلام! ويحفظ لسانه من اللغو وفضول القول. والشيء بالشيء يُذكر، فهناك مبالغات في هذا الجانب، فقد رُوي عن شخص هندي يُدعى مهير بابا صامت أنه لزم الصمت (44) سنة!! من عام (1925م) إلى عام (1969م)، وكان يستخدم لوحة فيها حروف أبجدية للتواصل مع الآخرين، ويستخدم كذلك إيماءات اليد (لغة الإشارة). ويُذكر أيضًا أن أتباعه يصمتون يومًا واحدًا (24 ساعة) في السنة لذكراه.
وأما من السيرة النبوية المباركة، فقد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان طويل الصمت ولا يتكلم في غير حاجة، وهذا هو النهج القويم. فمن الملاحظ أن الكثير من أحاديث المجالس ليست ذات قيمة فكرية أو علمية أو ثقافية، بل أكثرها للتسلية والمتعة.
وكم من رجل تهابه من مظهره، فإذا تحدث تقول لنفسك ما قاله أبو حنيفة: آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه!!. ولا يعني هذا أن الإنسان لا يتحدث عما في مكنون نفسه بين الفينة والأخرى (يفضفض)، ولكن الاعتدال في شيء هو الأمر الصائب.
حين يصبح الصمت عادة سنستشعر حقًّا لذة الفكر والتأمل.