د. حنان عابد

إنّ التطوّر البشري فيما يتعلق بالصناعة والابتكار وتوجيه الطاقات الإنسانية المتنوعة والمختلفة مثّل على الدوام حِراكاً معرفيّاً كان ولا يزال قائماً في المقام الأول على مدى قدرة الإنسان على استيعاب مفرزات التجارب الإنسانية التي تتكامل بشكل أو بآخر مع المحتوى العلمي النظري أو التطبيقي في شتى مجالات الحياة، ولذا فإن هذا التطوّر الإنساني سيظل يسير في ذات الاتجاهات والأنماط مع متغيّرات قد تقع له، وعلى هذا الأساس فإن الإنسان وفي كل حقبة زمنية لعلها تتجاوز آلاف السنين وليس مئات السنين، فهو يقوم بتغيير شبه كلّي أو كلّي لطريقة تعامله مع طرق وأساليب ومناهج وتطبيقات الابتكار.

وبينما كُنّا جيلاً بعد جيل نؤمن إيماناً راسخاً بأهمية الشهادة الجامعية والتي هي بلا شك مهمة حتى يومنا هذا، وستظل مهمة على الدوام وليس لفترة قادمة محدودة، إلا أننا علينا أن ننتبه اليوم إلى ما أنتجه العصر الحديث من متغيّر قلما ينتبه له كثير من شبابنا وفتياتنا وهم لا يزالون في مرحلة النضوج المعرفي، وذلك المتغيّر من الخطورة بمكان بحيث إنه لا يمكن تجاهله أو الإعراض عن الحديث عنه بالقدر الذي يستحقه، وهو بلا شك متغيّر «عدم كفاية الشهادة الجامعية» كما كان الأمر قبل عقود لإنتاج إنسان معرفي قادر على تلبية متطلبات عصر الأعمال والإنتاج اليوم، وعليه فالسؤال المطروح اليوم والذي يتطلب منا أن نعكف على وضع إجابات منطقية ومقبولة وعملية له هو: ما الذي يتوجب على شبابنا فعله إن كان هذا المتغيّر بالفعل حقيقيا ومؤثرا على مستقبل الشباب والفتيات في جميع المجتمعات الإنسانية، وهل شبابنا اليوم يمتلكون الأدوات التي من خلالها يمكنهم مواجهة هذا المتغيّر بنجاح كامل؟

إننا اليوم بتنا أمام استحقاق جديد وجدي وحقيقي، وهو ضرورة تجهيز شبابنا لمواجهة استحقاقات التنمية المستدامة، والتي بكل تأكيد لا تكفيها الشهادة الجامعية لتكون متحققة في اقتصادنا الوطني، ولأجل هذا فإننا نستطيع أن نقول اليوم وبكل ثقة إنّ مرحلة ما بعد المرحلة الجامعية أصبحت ضرورة لا يمكن تجاوزها، وهي بالتأكيد ليست مرحلة العمل والإنتاج، بقدر ما هي مرحلة التدريب العملي لما بعد الجامعة، لأنه من الملاحظ بشكل واضح للجميع أن التعليم الجامعي لا يزال لم يفرز لنا القدرات التي يتطلبها اليوم سوق العمل بالشكل الاحترافي المطلوب، وهنا يصبح المخرج الأفضل المتاح لنا بعيداً عن ضرورة تحسين مخرجات النظام التعليمي الجامعي، ومن قبله المدرسي، هو إنتاج صيغة جديدة للتدريب المهني التطبيقي لخريجي الجامعات بعد انتهائهم من التعليم الجامعي. ومن المؤمّل أن يكون لمراكز التدريب المقترحة هذه الدور الأبرز والأكبر في جسر الهوة التي باتت عميقة اليوم بين ما تقدمه الجامعات للطلاب من تمكين على مستوى القدرات التي يتطلبها سوق العمل اليوم وبين ما يجب أن يمتلكوه بالفعل من ممكّنات.

@hananabid10