هناء مكي

يبدو أن كل ما يحدث من تغيرات في العالم يصب في مصلحة الاقتصاد الصيني بلا أدنى جدل، وكل تلك السنوات العشرين المنتهية ما هي إلا بداية لهذه الانطلاقة لتعلن أن الصين متسيدة للسوق العالمية. فقط تحتاج لتنجح في الصناعة المالية، بعدها ستتوج كقوة اقتصادية متقدمة، ونظراً للتدرج المذهل الذي وصلت إليه لقد أزف وقارب تحقيق هذا الأمر بعد دخولها سوق التمويلات الدولية.

وفقا لذاكرتي الصحفية، وأبان العمل على التحقيقات المحلية لأسعار المنتجات، التي لاقت ارتفاعا غير مبرر حينها كانت دائما الاتهامات تذهب للعنصر الخارجي والعالمي. ففي بداية الألفية الثالثة وفي الوقت الذي شهد الذهب طفرة في أسعاره كان تجار الذهب وصاغته يشيرون بأصابع الاتهام للصين، التي كانت تزيد احتياطيها من المعدن الثمين، وبعد حرب العراق الثانية كان حدسها حقيقيا، لتبدأ بعدها تشييد بنيتها التحتية من طرق وجسور ومرافق، فقامت بصفقات شراء كبيرة على مواد البناء من السوق العالمية، وتسبب ذلك في ارتفاع الأسعار على الرمل والأسمنت والحديد وخلافه، ليواجه العالم طفرة أخرى على المواد الرخيصة والمتاحة، حتى السوق المحلية شهدت توقفا كاملا لبعض المواد ونفادها حينها، وبعدها كانت حرب لبنان فكان ارتفاع أسعار مواد البناء تتشارك مع المواد الأولية في الغليان.

وليأتي بعدها عام 2008، وكنا لم نستوعب بعد ذلك الارتفاع في الأسعار حتى التي كانت هادئة ومستقرة، لتباغتنا أزمة الائتمان العقاري الأمريكية وتهز السوق العالمية وتشعل أسعار العقارات وأسواقها وخدماتها ما أثر على الأسواق الأخرى في التعاملات اليومية، بل بعدها أحدثت أزمة مالية عالمية وأثرت على القطاع المالي والمصارفي بصورة خاصة، وإليك ما يعني أن تكون رهين السوق العقاري والمالي معا؟، بعدها لم تعد الأسواق كما كانت أبدا، ثم يأتي الربيع العربي وثوراته، التي كانت نتيجة ارتفاع الأسعار المتلاحقة أساساً، والتي لم يستطع المواطن العربي استيعابها، فانعدام الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط قابله ثبات الأسعار على ارتفاع بالذات الأسواق الأساسية كالغذاء والسكن، فحتى سوق الخضراوات والأعشاب وبعد موجة المنحفات والبدائل والعضويات والرشاقة صارت هدفا للغلاء تباعاً.

لم تتوقف الحروب الصغيرة حتى هجمت علينا جائحة كورونا الصينية، وغيرت أساسيات كثيرة تحدثنا عنها، وبعد أن هدأت العاصفة كانت حرب روسيا وأوكرانيا، التي حاصرت السوق بالتضخم وتهديد بالركود.

في ظل تلك الأحداث، كانت الصين تعمل في هدوء وصبر حتى بعد إعلان الحرب عليها تجارياً من قبل أمريكا والغرب، وكانت تجد البديل في صناعاتها لتحل محل حاجتها من السوق الخارجية بما يسمى التقليد، ومن ثم تصدر الفائض للخارج، فكانت عوننا في حروبنا مع الغلاء، اليوم وبعد ارتفاع الأسعار واعتماد الضرائب والجمارك وشح المنتجات، تأتي الصناعة الصينية المطورة بديلا ناجحا ومهما، بعد استحواذها على صناعات كبيرة بدءا من المواد الأولية والمفروشات والماركات، ثم التقنيات والمحركات وحتى البرمجيات والصناعات التطويرية واليوم المنتجات الطبية، أنها تعالج منتجاتها سعريا لتتفوق في المنافسة، وها هي تتفوق اليوم بعد أن صبت كل الظروف في مصلحة الصناعة الصينية، التي جعلتنا مرفهين، إنها تتقدم بثبات وقوة لتتسيد الأسواق العالمية المتضررة.

@hana_maki00