هلا العبدالكريم

عندما ذهبت لأول مرة للدراسة في بريطانيا كنت أسكن عند سيدة بريطانية، وكانت هناك طالبتان من أمريكا اللاتينية يعيشان معي في نفس المنزل كلتاهما تعتنقان الديانة المسيحية، واحدة منهما كانت على قدر كافٍ من العلم بديانتها وكنت أراها تصلي والأخرى غير مهتمة، لاحظت الفرق الكبير بالتوازن في الشخصية والتصالح مع الذات بينهما.

فعندما أرى إنساناً متصالحاً مع نفسه ومع الآخرين غالباً ما يكون منبع هذا الوعي مبادئ راسخة مصدرها الكتب السماوية، ونحن كمسلمين أكرمنا الله بالقرآن الكريم هداية لنا من الضلال في طرق هذه الحياة ورحمة لنا من الشتات.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}،

فقد جاء في الآية الكريمة أن ما يحمله هذا الكتاب في طياته شفاء لكل ما في الصدور من هم وغم أو مشاعر سلبية كالحقد والحسد والغل والغضب وكل شعور غير محبب قد يثقل النفس ويهلكها، بل في آيات أخرى ذُكر أنه شفاء للأمراض العضوية أيضاً وكم من قصص سمعناها عن حالات مرضية يئس منها أفضل الأطباء ومع ذلك تمتعت بالصحة والعافية بفضل الله ثم القرآن الكريم.

وأخبرنا الله أنه هُدى، فمنه نهتدي لأحسن الأخلاق وتكرر في القرآن الكلام على حدود الله وتعظيم أمرها، وهذه واحدة من الآيات الكريمة: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

والحد هو الشرط من الله سبحانه وتعالى على عباده بألا يقتربوا مما منعهم عنه في الحياة الدنيا سواءً كان في الأكل، الشرب، أو في التعامل مع الناس بمختلف العلاقات مع الوالدين، الأبناء أو بين الزوجين، والإخوة، والأقارب والأصدقاء وحتى الغرباء مع اختلاف الطبقات وكذلك الأعداء، وفي اكتساب الرزق، والسفر والحروب، وكل ما نمر به في حياتنا بمختلف مراحلنا.

فيا له من ثروة تختصر على المرء البحث عن الحقيقة وتهذب نفسه، فلنرحم أنفسنا من الضياع ونقرأ هذا الكنز الذي بين أيادينا (القرآن الكريم) كما لم نقرأه من قبل، نقرأه لنتعلم منه لا لننتهي منه، نقرأه بتدبر وفهم لرسالة الله المنزلة إلينا من السماء رحمةً لأرواحنا، ونحترم حدود الله لتحترمنا الحياة

ليس من صالحك أبداً الجهل بأحكام القرآن، فعندما تكون غنيا بالثقافة القرآنية ستكون مُحصنا من ضعفاء النفوس، الذين يستغلون جهل الناس ويظلمونهم باسم الدين، فلنجدد علاقتنا به، ونرتقي بأنفسنا من خلاله لننعم بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.

alabdulkarimhala454@gmail.com