يبدأ نهار الصيف متمهلًا لا يتعجل شروقه، بل يسير متباطئًا إلى أن ينتصف، ثم يودع حيِّزه بباقة من ألوان الغروب؛ لتستقبل وفود السماء المضيئات الآتي يرابطن بأناقة إلى أن يلوح فجر النهار.
شمس الصيف كأنها أمٌّ تلاحق صغارها في لعبة غميضة، تدرك أين يختبئون، وبعد لحظات على أكتافهم مبتسمة تربت، وكأنها تقول «أين من مساحتي التي أعرفها جيدًا تتوارون»، بدأت أبحث عن مكانٍ ظلاله وفيرة، وأنا أعي أنها فترة وجيزة وستسير أنامل إشعاعها لتجد محلي، بعد حين طلبت شايًا مثلجًا، وبدأت حواسي تتلطف به، وحالها يقول منذ فترة وجيزة كنت أدفئ كفي بكوب ساخن الملمس، وأتتبع ذلك الإشعاع الذي كلما اختفى بحثت عنه، ولذت إليه كلما وجدته، كنتُ أرتدي الملابس علَّني بها أتدفأ، وكلما أضفت قطعة أغراني الدفء أن أخويها بقطعة أثقل، تصدر خزائني البني والأزرق وغوامق الألوان، وبدأت قدمي تطالب مع الجوارب بحذاء منغلق الأطراف، وكلما احتل من ساقي مساحة أطول أكرمتني بدفء مضاعف الاحتواء، كنت أتجنب ملامسة كأس ماء بارد فقشعريرة برودته تتجاوز الأنامل دون استئذان، وكما اليوم كنتُ أحب مشاهدة البحر، ولكني عن شواطئه كنت أبتعد أمتارًا، تنفَّستُ على مهل، وأزحت المقعد بعض خطوات، وطلبت من النادل أن يُرخي الستار لعلها توفر لي مزيدًا من مساحات الاختباء، لحظت لون صندلي الذي كاد يحتوي قدمي، وتناسبه مع ملابسي زاهية الألوان، وأحطت كأسي المثلج لعلني أنتسخ من برودته أضعافًا، ورغم مكيف الهواء الذي يحاول جاهدًا أن يقنعني بأنني لستُ في فصل الصيف إلا أن وهج كل شيء يبطل أي اجتهاد.
غادرت المكان، ووصلت للمنزل، وكل شيء يذكِّرني في أي فصل أنا، تتبدل العطور وملمس الملابس فيشرق الأبيض والوردي، وطيف من فواتح الألوان مُنسدلة ناعمة الديباجة، وتنتشي الحواس بأريج عطور مكوِّناتها مقتبسة من ألطف الزهور، تسبغ عليك أريجها الخفيف فتنعشك وتحتلك، رغم رِقَّتها، وتنظر لتلك التي ركنت خلفها في زاوية مظلمة لحين الشتاء دهن عود، وزجاجات عطر تحمل أريج خمائل ثقيلة كثقل المعاطف واللفافات، فتنظر للفوارق ليس فقط في أريجها، بل ولشكل الزجاجات.
أطفأت المصباح وتبدَّل ضوء المكان، وتبادر لذهني كيف تتبدل رغباتنا مع مواسم الصيف والشتاء، فكل ما نودُّه في الصيف نفرُّ منه في الشتاء، وكلما أتى الحرُّ تغزلنا عما كنا نهجيه في البراد، تبسَّمتُ لحالنا، فما أجمل الإنسان!! صعب إرضاؤه، ولكنه يرضى عندما يعتاد على الحال.
برد الشتاء القارس، وحرارة الصيف الملتهبة، كلاهما عندما يحتلان المواسم يظهران كما هي نفيسة عند غيابها الأشياء، وكلاهما يتفقان بأجر نؤجر عليه إن تذكرنا الاحتساب.
* مثلجات
الكلمة الطيبة أثرها كتناول مثلجات بمذاق لذيذ طيب في ظهيرة صيف حار النسمات.
@ALAmoudiSheika
شمس الصيف كأنها أمٌّ تلاحق صغارها في لعبة غميضة، تدرك أين يختبئون، وبعد لحظات على أكتافهم مبتسمة تربت، وكأنها تقول «أين من مساحتي التي أعرفها جيدًا تتوارون»، بدأت أبحث عن مكانٍ ظلاله وفيرة، وأنا أعي أنها فترة وجيزة وستسير أنامل إشعاعها لتجد محلي، بعد حين طلبت شايًا مثلجًا، وبدأت حواسي تتلطف به، وحالها يقول منذ فترة وجيزة كنت أدفئ كفي بكوب ساخن الملمس، وأتتبع ذلك الإشعاع الذي كلما اختفى بحثت عنه، ولذت إليه كلما وجدته، كنتُ أرتدي الملابس علَّني بها أتدفأ، وكلما أضفت قطعة أغراني الدفء أن أخويها بقطعة أثقل، تصدر خزائني البني والأزرق وغوامق الألوان، وبدأت قدمي تطالب مع الجوارب بحذاء منغلق الأطراف، وكلما احتل من ساقي مساحة أطول أكرمتني بدفء مضاعف الاحتواء، كنت أتجنب ملامسة كأس ماء بارد فقشعريرة برودته تتجاوز الأنامل دون استئذان، وكما اليوم كنتُ أحب مشاهدة البحر، ولكني عن شواطئه كنت أبتعد أمتارًا، تنفَّستُ على مهل، وأزحت المقعد بعض خطوات، وطلبت من النادل أن يُرخي الستار لعلها توفر لي مزيدًا من مساحات الاختباء، لحظت لون صندلي الذي كاد يحتوي قدمي، وتناسبه مع ملابسي زاهية الألوان، وأحطت كأسي المثلج لعلني أنتسخ من برودته أضعافًا، ورغم مكيف الهواء الذي يحاول جاهدًا أن يقنعني بأنني لستُ في فصل الصيف إلا أن وهج كل شيء يبطل أي اجتهاد.
غادرت المكان، ووصلت للمنزل، وكل شيء يذكِّرني في أي فصل أنا، تتبدل العطور وملمس الملابس فيشرق الأبيض والوردي، وطيف من فواتح الألوان مُنسدلة ناعمة الديباجة، وتنتشي الحواس بأريج عطور مكوِّناتها مقتبسة من ألطف الزهور، تسبغ عليك أريجها الخفيف فتنعشك وتحتلك، رغم رِقَّتها، وتنظر لتلك التي ركنت خلفها في زاوية مظلمة لحين الشتاء دهن عود، وزجاجات عطر تحمل أريج خمائل ثقيلة كثقل المعاطف واللفافات، فتنظر للفوارق ليس فقط في أريجها، بل ولشكل الزجاجات.
أطفأت المصباح وتبدَّل ضوء المكان، وتبادر لذهني كيف تتبدل رغباتنا مع مواسم الصيف والشتاء، فكل ما نودُّه في الصيف نفرُّ منه في الشتاء، وكلما أتى الحرُّ تغزلنا عما كنا نهجيه في البراد، تبسَّمتُ لحالنا، فما أجمل الإنسان!! صعب إرضاؤه، ولكنه يرضى عندما يعتاد على الحال.
برد الشتاء القارس، وحرارة الصيف الملتهبة، كلاهما عندما يحتلان المواسم يظهران كما هي نفيسة عند غيابها الأشياء، وكلاهما يتفقان بأجر نؤجر عليه إن تذكرنا الاحتساب.
* مثلجات
الكلمة الطيبة أثرها كتناول مثلجات بمذاق لذيذ طيب في ظهيرة صيف حار النسمات.
@ALAmoudiSheika