عبدالله العولقي

كان الناس في مصر وفي الوطن العربي لا يذكرون اسم شوقي إلا ويتبعونه بحافظ، وكان شوقي يغتاظ جدا من هذا الارتباط ويستنكره، بل يعتبره ظلما له وتعديا صريحا عليه، فهو يعتبر نفسه شامخا وحده على هرم الشعر العربي لا ينافسه فيه أحد ولا يضارعه في شموخه سواه، وكان يرى أن ثمة فروقا متباينة بينهما فهو من بيت أرستقراطي بينما حافظ ينتمي إلى الطبقة الكادحة، كما أن تعليمه عال جدا فهو حاصل على بكالوريوس الحقوق من أرقى جامعات فرنسا بينما حافظ لا يحظى من تعليمه إلا بالنزر اليسير، وهو يجالس الملك ويسامر رجال البلاط ويخالط الوزراء والأعيان وكبار الوفود بينما حافظ يجالس الفقراء والبسطاء في مقاهي القاهرة الشعبية، إذن فشوقي يرى أن ثمة فروقا كثيرة بينهما وعلى الصحافة والناس ألا يقرنوا اسميهما معا !!.

وبالرغم من هذا كله، فقد كان شوقي يعتز بصداقته الشخصية لحافظ إبراهيم ويفضله على أصدقائه، وكان حافظ يرافقه في عديد من رحلاته الرسمية، كما كان لشوقي أياد بيضاء على حافظ إبراهيم، فقد ساهم في منحه لقب (بك) وحاول أن يوظفه في جريدة الأهرام، ويقال أيضا إن شوقي كان يسعى لخدمة حافظ لأنه كان يخشى سلاطة لسانه ولكن هذا الرأي بعيد عن الصواب.

ومن عجائب القدر أن يتوفيا في سنة واحدة وهي سنة 1932م وألا يفرق بينهما الموت إلا بشهرين وبعض شهر، ورثاهما حينها الشرق كله، ولعلي الآن استشهد بما قاله طه حسين حينها: في أقل من ثلاثة أشهر فقدت مصر لسانيها الناطقين، وفقد الشرق العربي شاعريه العظيمين حافظا وشوقي، وكأنما أراد القضاء أن يمهل أمير الشعراء شهرين وبعض شهر ليرثي حافظا وينصفه بعد موته كما مدحه وأثنى عليه وأعلن إمارته للشعر في حياته.

كان طه حسين يؤثر حافظا على شوقي ويفضله عليه، وكان صريحا بهذا الإيثار والتفضيل، أما العقاد فقد كان كارها لهما الاثنين ولمدرستيهما الشعريتين وإن كان قد صب جام غضبه ولاذع نقده على شوقي بينما كان أرق عبارة وألطف نقدا في تعامله مع حافظ.

كان السبق في الوفاة لحافظ إبراهيم فرثاه شوقي، وعندما توفي حافظ كان شوقي يصطاف في الإسكندرية وقد بلغه سكرتيره بنبأ وفاة حافظ بعد ثلاثة أيام لرغبة سكرتيره في إبعاد الأخبار السيئة عن شوقي ولعلمه بمدى قرب مكانة حافظ منه، ويقال إن شوقي شرد ذهنه لحظات ثم رفع رأسه وقال أول بيت من مرثيته لحافظ:

قد كنت أوثر أن تقول رثائي يا منصف الموتى من الأحياء

@albakry1814