أ. د. هاني القحطاني

hanih@iau.edu.sa

في الحديث الشريف «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا».. اسم المسجد مشتق لغة من فعل السجود، وبالتالي فإن أي موضع يسجد فيه المرء يُعتبر مسجدًا. وفي المقابل فإن المصطلح الإنجليزي للكنيسة (church) متحدّر من الإغريقية، الذي يعني «بيت الرب». أما الكاتدرائية وهو مسمّى آخر لها، فهو أيضًا متحدر من الإغريقية، ويفيد الكنيسة المعتمدة من قِبَل البابوية، وفيها كاهن أعلى يدير شؤونها.

هذه المقارنة اللغوية في غاية الأهمية؛ لأنها تعيد الشيء إلى أصله. فالمسجد من حيث الشكل والهيئة ليس له أي تصوُّر مُسبَق أبدًا. وكل مساجد العالم هي تعامل منطقي مع مقتضيات ما يتطلبه بناء كل مسجد على حِدة. ومن هنا تنوَّعت أشكال المسجد عبر تاريخه منذ 1400 سنة.

قد لا يكون لدى الكثير من الناس أي مطلب للبحث عن أشكال أخرى للمساجد. وقد يبدو للبعض الآخر أن هناك حاجة ماسة لذلك. وبين هذا وذاك تتراوح المواقف، ولكلٍّ مبرراته ورأيه في هذا المجال.

ولكي توضع الأمور في سياقها المناسب من الناحية التاريخية والحضارية وجب القول إن عمارة المساجد بحاجة إلى إعادة تصوُّر يفرضه الواقع المعاصر بكل تجلّياته. إن تاريخ العمارة الإسلامية (شأنه في ذلك شأن تاريخ كل عمارات العالم) هو في معظمه تاريخ عمارة المساجد. فقد كانت المعابد باختلاف أصحابها ودياناتهم هي أغلى ما تملكه أي حضارة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بنفسه: هل مساجد اليوم تعكس، تعبر، تنقل، (وللقارئ أن يختار من الكلمات ما يشاء)، حقيقة ما يريده الناس في مساجدهم؟.. هل تعكس مساجدنا المعاصرة الطموح، الذي يراود المعماريين والمصلين في تلك المساجد؟

إن عمارة المساجد اليوم متوارثة. إنها تتناسل، تتناسخ عبر الزمان والمكان، عبر التاريخ والجغرافيا. الحديث هنا بالتحديد عن النمط المهيمن على المساجد في المملكة: قاعة فسيحة ذات سقفٍ أفقي تتوسطها قبة على أربع دعامات والباقي تفاصيل. هذا النمط متحدِّر من مسجد السقيفة العربية والقبة المنتشرة في كل أنحاء العالم الإسلامي.

المسجد بحاجة إلى قراءة معمارية جديدة كلية. قراءة يتم بموجبها طرح جميع أسئلة النهضة. قراءة يجب أن يكون تاريخ عمارة المساجد بموجبها قوة دافعة له وليس قوة مكبِّلة له.

إن أي بناء في العالم يفرض على مستخدميه شكله وطريقة استخدامه وذائقته، ورأي الناس فيه. في المعبد الهندوسي (انجوروات في كمبوديا على سبيل المثال، الذي يعتبره البعض ثامن عجائب العالم) هو نحت في الحجر بدون أي تحدٍّ وظيفي يُذكر. وفي الكاتدرائية القوطية تم تقزيم الفرد والصعود به نحو السماء؛ لغرض في نفس مؤسسة الكهنوت الرسمية. وقبل هذا وذاك بزمن طويل كان المعبد المصري من الضخامة ما إن سبعة أشخاص بالكاد يمكنهم الإحاطة بواحد من أعمدته.

أما في المسجد، فكما ورد في الجملة الافتتاحية لهذا المقال، فتختفي كل هذه الاعتبارات والرموز الدينية التي قد تُثقل كاهل المسجد. فبإمكان المسجد أن يأخذ أي شكل يمكن تخيُّله؟. وبإمكاننا، والحال هكذا، أن نُبهر العالم بعصر جديد للعمارة.

وفي الختام، في القول الفصل، المسجد هو ببساطة صفوف أفقية موازية لجدار القبلة، واتجاه عمودي نحو المحراب لرؤية الإمام والاستماع إليه أثناء تأدية الصلاة. هذان هما الشرطان المعماريان الأساسيان لكي يكون المسجد مسجدًا. أما الباقي (المنبر، المحراب، المنارة، الزخارف، الإضاءة، الصوتيات، إلخ.....)، فهي تفاصيل يمكن استيعابها ضمن هذه المعادلة السحرية. هذا هو المسجد.. قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان. في هذه البساطة تكمن المعضلة المعمارية التي تواجه كل معماري في تصميم المسجد. هذان المَطلبان - سمِّهما قانونَين إن شئت - (أفقية صفوف المصلين والاتجاه العمودي صوب المحراب المنصف لها) متناقضين (معماريًا) بالضرورة، ومتى ما تم للمعماري حل هذا التناقض يمكن لنا الجزم بأنه قد حاز قصب السبق.

في هذه الجزئية على بديهيتها يكمن تاريخ عمارة المساجد المعاصرة إن أردنا صنعه من جديد. وتبقى أي قراءة أخرى لعمارة المساجد قولًا على قول.