روما تلك الإمبراطورية العظيمة والتي شملت أراضيها أغلب العالم القديم رحلت وأصبحت مجرد مبان وذكريات. كانت حلما أرادت به حماية نفسها. فمن نشأتها اليونانية كقرية في إيطاليا بعد أن اجتاحها التتار أو الهمج كما أطلقوا عليهم، صعد نجمها بعدها فكونت أول جيش نظامي في العالم استطاعوا من خلاله احتلال كل إيطاليا بداية ثم ضموها إليهم ليصبحوا «رومان»، ثم توجهوا إلى كافة أنحاء أوروبا حتى لم يبق مكان لهم في القارة الأوروبية إلا وأخذوه أو تركوه طواعية.
ولم يقفوا هنا فأخذوا وضموا تراث غيرهم ودمجوه معهم ليصبح ذاك الهجين روما بكل ثقافتها وفنونها وعلومها وتطورها. ثم ما لبثوا أن وسعوا دائرتهم وضموا شمال أفريقيا والأناضول ومناطق الهلال الخصيب وإلى الجنوب منها من مملكة الأنباط حتى وصلت جيوشهم إلى العلا بما يعنينا.
وحسنوا من بيئة الحياة والمعيشة فبنوا المسارح العملاقة للألعاب والفنون والثقافة بأغلب الأماكن التي ذهبوا إليها. وعن المياه بنوا ما يعرف بـ «الاكوادكت» وهي جسور معلقة ناقلة للماء إلى المدن وعبر الأودية والجبال الصعبة. واعتنوا بالتدوين والتنظيم الإداري والتشريع وبالعدالة الاجتماعية، فأنشأ الرومان أقساما لحفظ البريد والتدوين، كما فصلوا بين الجيش والحكم وأرسوا المبادئ اليونانية بمجلس منتخب من سكان مدينة روما «مجلس شيوخ» لسن الأنظمة ثم حاكم أو إمبراطور بيده مقاليد السلطة حسب التقلبات السياسية. وأعطوا مساحة لكل إقليم حكموه بالحكم الذاتي المقيد بتعليمات وتوجيهات روما.
كما جاؤوا بالمحاكم والقوانين وحسنوا من طبيعة المدن واهتموا بهيئتها ونظافتها فعبدوا الشوارع وبنوا الأسواق والمراكز والحمامات العامة وأجروا المجاري. كما بنوا وعبدوا طرقا تصل بين كل أطراف إمبراطوريتهم وموانئ تخدم نقل البضائع والأطراف البعيدة من دولتهم. واهتموا بالعلوم وبالمكتبات العامة وبأصول الحكمة والفلك والحساب والهندسة. وكانت عقيدتهم ليبرالية سمحة رغم وثنيتهم وأصول معبوداتهم اليونانية، فسمحوا بالعقائد المختلفة كاليهودية والمعابد الوثنية المصرية القديمة.
إلا أنه بعد كل تلك الإنجازات من التطور والرقي ما لبثت أن بدأت بالأفول فلم يبق عدو حقيقي يواجهها ولم تبق حضارة على الأرض بمكانتها وعظمتها وبدأت بالتفكك والاضطرابات وحركات التمرد. فالعبيد الأسرى ثاروا ضد روما كما لم يتمكنوا من القبائل الامانية وحرب الغابات كذلك من ضم كل انجلترا. وانقسمت تلك الإمبراطورية العظيمة قسمين زمن كليوباترا واستولى قائد عسكري «انتوني» على الممتلكات الشرقية لتلك الإمبراطورية معلنا دولة شرقية رومانية «بيزنطية» مقرها اسطنبول.
ولم يقف الأمر بعد الانشقاق هنا، فقد رأى أحد حكام روما «اوقستس» لوقف حركات التمرد بأن يتوجه لتنصير دولته ليقف هو على رأسها ولتكون توجيهاته خليطا بين العقيدة والسياسة. ناسب ذاك توحيد الآراء حول طبيعة المسيح تحت رايته بعيدا عن المذهب اليهودي وطرق عبادتها. فأصبحت المعابد كنائس كما في الفاتيكان وسنوا شرائع بما يتوافق مع آراء قيادات تلك الكنائس. وبدأوا بنشر تلك العقيدة الجديدة وبقوة السلاح أحيانا. من أخبارها ما سمعناه من قصة أبرهة والذي حاول هدم الكعبة المشرفة. وقد كان أبرهة «ابراهيموس» قائدا عسكريا حبشيا قدم بفرقة مع جيوش الرومان لاحتلال اليمن وتنصيرها.
ولم يتوقف الأمر هنا بل ان بيزنطة حذت حذوها ببناء أيا صوفيا ككنيسة جامعة شرقية في اعتناقها للدين النصراني كدين رسمي جامع موحد لمواطنيها. ومن أثر تلك الفترة أن تبنت فارس رغم دينها المختلف تمويل كنيسة بمذهب لا يعتقد بألوهية المسيح «نسطوري» منشأه بلاد الرافدين لتنصير واستمالة العرب وضد العقائد الأخرى البيزنطية والرومانية المستميلة للعرب المبشرة أيضا.
ثم ذهب زمن وأتى زمن وتدرجا استطاعت به تلك الكنيسة الكاثوليكية في روما السيطرة على كامل التشريع ثم مقاليد الحكم إلى أن رأت أن الإيمان بالمسيح يكفي، وتخلت عن ممتلكات روما في حالة فوضى إدارية دون جيش أو قيادة سياسية ومدنية وكانت مسرحا للاضطراب والغوغائية وسفك الدماء وانتهاك الأعراض والسرقة نابذة بذات الوقت كل ما هو روما وإنجازاتها الحضارية والثقافية. أصبحت أوروبا في حالة صراع بين الفصائل والشعوب المختلفة وفي حروب مستمرة وضحية للكنيسة وآرائها. تلك العصور أطلق الأوروبيون عليها العصور المظلمة.
@SaudAlgosaibi
ولم يقفوا هنا فأخذوا وضموا تراث غيرهم ودمجوه معهم ليصبح ذاك الهجين روما بكل ثقافتها وفنونها وعلومها وتطورها. ثم ما لبثوا أن وسعوا دائرتهم وضموا شمال أفريقيا والأناضول ومناطق الهلال الخصيب وإلى الجنوب منها من مملكة الأنباط حتى وصلت جيوشهم إلى العلا بما يعنينا.
وحسنوا من بيئة الحياة والمعيشة فبنوا المسارح العملاقة للألعاب والفنون والثقافة بأغلب الأماكن التي ذهبوا إليها. وعن المياه بنوا ما يعرف بـ «الاكوادكت» وهي جسور معلقة ناقلة للماء إلى المدن وعبر الأودية والجبال الصعبة. واعتنوا بالتدوين والتنظيم الإداري والتشريع وبالعدالة الاجتماعية، فأنشأ الرومان أقساما لحفظ البريد والتدوين، كما فصلوا بين الجيش والحكم وأرسوا المبادئ اليونانية بمجلس منتخب من سكان مدينة روما «مجلس شيوخ» لسن الأنظمة ثم حاكم أو إمبراطور بيده مقاليد السلطة حسب التقلبات السياسية. وأعطوا مساحة لكل إقليم حكموه بالحكم الذاتي المقيد بتعليمات وتوجيهات روما.
كما جاؤوا بالمحاكم والقوانين وحسنوا من طبيعة المدن واهتموا بهيئتها ونظافتها فعبدوا الشوارع وبنوا الأسواق والمراكز والحمامات العامة وأجروا المجاري. كما بنوا وعبدوا طرقا تصل بين كل أطراف إمبراطوريتهم وموانئ تخدم نقل البضائع والأطراف البعيدة من دولتهم. واهتموا بالعلوم وبالمكتبات العامة وبأصول الحكمة والفلك والحساب والهندسة. وكانت عقيدتهم ليبرالية سمحة رغم وثنيتهم وأصول معبوداتهم اليونانية، فسمحوا بالعقائد المختلفة كاليهودية والمعابد الوثنية المصرية القديمة.
إلا أنه بعد كل تلك الإنجازات من التطور والرقي ما لبثت أن بدأت بالأفول فلم يبق عدو حقيقي يواجهها ولم تبق حضارة على الأرض بمكانتها وعظمتها وبدأت بالتفكك والاضطرابات وحركات التمرد. فالعبيد الأسرى ثاروا ضد روما كما لم يتمكنوا من القبائل الامانية وحرب الغابات كذلك من ضم كل انجلترا. وانقسمت تلك الإمبراطورية العظيمة قسمين زمن كليوباترا واستولى قائد عسكري «انتوني» على الممتلكات الشرقية لتلك الإمبراطورية معلنا دولة شرقية رومانية «بيزنطية» مقرها اسطنبول.
ولم يقف الأمر بعد الانشقاق هنا، فقد رأى أحد حكام روما «اوقستس» لوقف حركات التمرد بأن يتوجه لتنصير دولته ليقف هو على رأسها ولتكون توجيهاته خليطا بين العقيدة والسياسة. ناسب ذاك توحيد الآراء حول طبيعة المسيح تحت رايته بعيدا عن المذهب اليهودي وطرق عبادتها. فأصبحت المعابد كنائس كما في الفاتيكان وسنوا شرائع بما يتوافق مع آراء قيادات تلك الكنائس. وبدأوا بنشر تلك العقيدة الجديدة وبقوة السلاح أحيانا. من أخبارها ما سمعناه من قصة أبرهة والذي حاول هدم الكعبة المشرفة. وقد كان أبرهة «ابراهيموس» قائدا عسكريا حبشيا قدم بفرقة مع جيوش الرومان لاحتلال اليمن وتنصيرها.
ولم يتوقف الأمر هنا بل ان بيزنطة حذت حذوها ببناء أيا صوفيا ككنيسة جامعة شرقية في اعتناقها للدين النصراني كدين رسمي جامع موحد لمواطنيها. ومن أثر تلك الفترة أن تبنت فارس رغم دينها المختلف تمويل كنيسة بمذهب لا يعتقد بألوهية المسيح «نسطوري» منشأه بلاد الرافدين لتنصير واستمالة العرب وضد العقائد الأخرى البيزنطية والرومانية المستميلة للعرب المبشرة أيضا.
ثم ذهب زمن وأتى زمن وتدرجا استطاعت به تلك الكنيسة الكاثوليكية في روما السيطرة على كامل التشريع ثم مقاليد الحكم إلى أن رأت أن الإيمان بالمسيح يكفي، وتخلت عن ممتلكات روما في حالة فوضى إدارية دون جيش أو قيادة سياسية ومدنية وكانت مسرحا للاضطراب والغوغائية وسفك الدماء وانتهاك الأعراض والسرقة نابذة بذات الوقت كل ما هو روما وإنجازاتها الحضارية والثقافية. أصبحت أوروبا في حالة صراع بين الفصائل والشعوب المختلفة وفي حروب مستمرة وضحية للكنيسة وآرائها. تلك العصور أطلق الأوروبيون عليها العصور المظلمة.
@SaudAlgosaibi