د. نورة الهديب

تظهر الفتن في كل زمان ومكان، وتختلف أدواتها ووسائلها بناء على المتغيرات الزمنية، التي وجدت فيها، لكي تخدم احتياجات الإنسان سواء كانت خاصة أو عامة. والإنسان الضعيف يستسلم لرغباته المنجذبة لتلك الفتن، ويبحث عن مستجداتها المادية والمعنوية. وفي هذا الزمن، يجتهد المؤمن في جهاده إثر المعارك النفسية والصراعات الداخلية بين الرغبة في الاستجابة لتلك الفتن أو الزهد عنها. وكلما زادت كمية الفتن وتنوعت أشكالها، اشتد صراع المؤمن في دحرها وإنكارها.

وللأسف، فإن وعد الشيطان في إغواء الإنسان تم تنفيذ جزء منه عن طريق تلك الفتن المحيطة. ونجح في السيطرة على الإنسان الجاهل الضعيف والمتكبر، الذي انبهر بزخرفة الشيطان لتلك الفتن وانخدع بها. وأحيانا، تغلف الفتن بالأغلفة المشكلة ليلتبس على الإنسان أصلها فيقع في المحظور ويمارسها تحت مسميات مبهمة وأفعال مبطنة. والاستجابة لهذه الفتن لها صور متعددة لتخدم الأغراض الشيطانية، التي تهدف إلى دمار الإنسان عن طريق هدم القيم والفضائل السامية في النفس البشرية السليمة. وهذا يفسر ظهور تلك الفتن بأشكال وألوان متعددة، مما شجع الجهلاء الضعفاء والمتكبرين على ممارستها والتسويق لها بالأشكال المختلفة.

على سبيل المثال، يتعمد البعض إلى ابتكار مصطلحات تتناسب مع المنطق العلمي لتخفي المعنى الحقيقي لتلك الفتن وسوء أغراضها. فالأمانة والإخلاص من القيم والفضائل، التي تعين الإنسان على الاستقامة، ولكن يبدع أهل الشر في تشكيل الفتن وتلوينها لتحرف بعض المفاهيم النبيلة والصحيحة. ويمارس الطالح من الناس الأفعال الفاسدة تحت راية الإصلاح، ويقبل بالرشوة من مبدأ الشكر والمجازاة. وكذلك، يفسر الخيانة بالنزوة العابرة وتتراكم بعدها الوعود الوهمية في عدم تكرارها ويعلل فعل المفاسد للوصول إلى المصالح لتتناسب مع خبث سريرته ودوافعه. وعندما تتفاقم المفاسد وتتوسع في انتشارها، يبحث الخبثاء عن مبررات ملتوية تضع الإنسان في حيرة من أمره، وتطلب منه الوقوف محايدا أمام المفاهيم المبتكرة والأصل في أفعالها.

ومع الأسف، نقع أحيانا في شباك الفتن وبشعارات رمادية تخدم مصالح أهل الفساد ونستجيب لها دون إدراك لحقيقتها. ولكن، يعود الفضل لله تعالى دائما في يقظة أصحاب العلم والصالحين، الذين يجتهدون في نشر الوعي الإصلاحي للتمييز بين الأصل في المفاهيم وكيفية تطبيقها. وكان للقيادة الدور الكبير في التوسع التوعوي بمجالاته المختلفة من خلال المشاريع الإصلاحية، التي فضحت الفساد وأهله، وبدأت في تنظيم الأجهزة لكشف الفساد وكيفية انتشاره، بفضل من الله. نعم، فرحلة المؤمن في هذه الحياة كفيلة بمعرفة الفرق بين وطن الحق ومستنقعات الباطل.

@FofKEDL