في مآدب الطعام وعلى طاولاتها وأرضها يطيب الحديث، فإنجاز مهمة الأكل وإيناس الداعي بأكل ما قدم لا تتجاوز نصف الساعة، وقد تزيد قليلاً، لكن بعض المدعوين «ثقيلي الطينة» يطيب لهم الحديث حتى يمر عليهم الوقت دون أن يشعروا به، فالحديث الماتع لا يمل، خاصة على أصوات موسيقى الصحون والملاعق، ثم أنهم لا يغادرون ذلك المكان المحبب إلا عندما يتأكدون من أن الطعام ذهب دفئه ورونقه وبهاؤه! وأصبح غير صالح للأكل إلا بإعادة صياغته أو تدويره!
وفي كثير من العزائم يجلس الخدم والعمال جلوس منتظر الفرج ليس لأكل ما تبقى فقط لكن للتمكن من إصلاح ما أفسده الدهر في ذلك المكان قبل بزوغ الفجر، فترتيب ولائم العشاء بعد انتهائها مهمة صعبة لا يدركها المدعون، الذين لا يرون كواليس هذه «العزيمة»، فهي تحتاج لوقت كافٍ ومعازيم يدركون صعوبتها على أهل البيت، الذين أخذوا وقتا طويلا في الإعداد وسيأخذون وقتا مماثلا في إنهائها إذا ما أطال المدعون تحلقهم وإضاعة الوقت على الصحون بلا فائدة! ولم يأخذوا بالاعتبار الجهد والوقت، الذي ينتظر أهل البيت، فمنهم مَن ينتظر الأكل أو الترتيب أو التوزيع على الجيران وغيرهم.
أما في المطاعم، فيجلس الزبائن منتظرين تكرم مَن قبلهم في إتاحة الفرصة لهم في أخذ الدور على الطاولة لكنهم «حالفين» أيمان مغلظة أن يجعلوا ذلك المسكين يتقلب في جمر الانتظار حتى «يكره نفسه»، ففي كل طاولة زبائن ثقلاء يرون الساعة كالدقيقة، ويراها العاملون والزبائن المنتظرون كالسنة! وربما يحلل هؤلاء قيمة العشاء وينتقمون من غلاء الأسعار من طاقم المطعم وزبائنه!
وحقيقة بعض العادات الراقية القديمة نتمنى أن تعود، ففيها من الذوقيات والآداب الشيء الكثير، ففي بعض المجتمعات يخص المضيف ضيوفه بالأكل في غرفة خاصة، فإذا انتهوا أكل وأسرته وهو بذلك يوفر لضيوفه كامل الحرية والخصوصية ويضمن لهم الكرامة، التي يتمنونها ثم أنهم لا يكونون أقل مروءة منه حين يغادرون وليمته دون أن تطيش أيديهم في صحونه! بل وضعوا في حسبانهم مَن بعدهم!
وفي بعض الولائم، يتسابق الجميع في مساعدة المضيف، وإعانته على ترتيب بيته، فيختصرون عليه وقتا كان قد حمل همه، وجهدا أكبر من قدرته!
ومسكين ذلك الداعي، الذي حول مدعووه بيته إلى «زريبة» وأفسدوا عليه أثاثه وكسروا آنيته، وكأنهم قد انتهوا من معركة حامية الوطيس، خاصة إذا كان ضمن المدعوين أطفال كلما أفسدوا نظر إليهم والداهم نظرة زهو وإعجاب بهذا الفتح المبين! وتركاهم يعيثون في الأرض فساداً، وذلك الداعي يعض على يديه وينتظر لحظة الفرج مع إغلاق الباب خلف هؤلاء الثقلاء!ِ
وإذا صح تسمية هؤلاء الرفاق بالثقلاء، فمن «ثقالة» بعضهم دخولهم بحذائهم، الذي ضرب في الأرض بكل أجوائها ولامس التراب والمستنقعات والأسفلت ثم يدوسون بكل «بساطة» على بساط المسكين، بل يضعون رجلا على الأخرى بحجة «الإتيكيت»، الذي يمنع خلع النعال عند الدخول، ويقومون ويقعدون ويدهسون الأرض دهسا! ولولا الحياء وقرب الزعل من شراك نعل أحدهم لطلب منهم هذا الطلب البسيط «أخلعوا حذاءكم»
خاتمة:
ولأن من الأدب أنك إذا دعيت فأجب، وإذا طعمت فانتشر، ولا تحبس الناس، فقد عقد ابن عبد ربه في كتاب (العقد) بابا في الثقلاء أورد فيه: قالت عائشة -رضي الله عنها-: نزلت آية في الثقلاء (فإذا طعمتم فانتشروا في الأرض ولا مستأنسين لحديث).
@ghannia
وفي كثير من العزائم يجلس الخدم والعمال جلوس منتظر الفرج ليس لأكل ما تبقى فقط لكن للتمكن من إصلاح ما أفسده الدهر في ذلك المكان قبل بزوغ الفجر، فترتيب ولائم العشاء بعد انتهائها مهمة صعبة لا يدركها المدعون، الذين لا يرون كواليس هذه «العزيمة»، فهي تحتاج لوقت كافٍ ومعازيم يدركون صعوبتها على أهل البيت، الذين أخذوا وقتا طويلا في الإعداد وسيأخذون وقتا مماثلا في إنهائها إذا ما أطال المدعون تحلقهم وإضاعة الوقت على الصحون بلا فائدة! ولم يأخذوا بالاعتبار الجهد والوقت، الذي ينتظر أهل البيت، فمنهم مَن ينتظر الأكل أو الترتيب أو التوزيع على الجيران وغيرهم.
أما في المطاعم، فيجلس الزبائن منتظرين تكرم مَن قبلهم في إتاحة الفرصة لهم في أخذ الدور على الطاولة لكنهم «حالفين» أيمان مغلظة أن يجعلوا ذلك المسكين يتقلب في جمر الانتظار حتى «يكره نفسه»، ففي كل طاولة زبائن ثقلاء يرون الساعة كالدقيقة، ويراها العاملون والزبائن المنتظرون كالسنة! وربما يحلل هؤلاء قيمة العشاء وينتقمون من غلاء الأسعار من طاقم المطعم وزبائنه!
وحقيقة بعض العادات الراقية القديمة نتمنى أن تعود، ففيها من الذوقيات والآداب الشيء الكثير، ففي بعض المجتمعات يخص المضيف ضيوفه بالأكل في غرفة خاصة، فإذا انتهوا أكل وأسرته وهو بذلك يوفر لضيوفه كامل الحرية والخصوصية ويضمن لهم الكرامة، التي يتمنونها ثم أنهم لا يكونون أقل مروءة منه حين يغادرون وليمته دون أن تطيش أيديهم في صحونه! بل وضعوا في حسبانهم مَن بعدهم!
وفي بعض الولائم، يتسابق الجميع في مساعدة المضيف، وإعانته على ترتيب بيته، فيختصرون عليه وقتا كان قد حمل همه، وجهدا أكبر من قدرته!
ومسكين ذلك الداعي، الذي حول مدعووه بيته إلى «زريبة» وأفسدوا عليه أثاثه وكسروا آنيته، وكأنهم قد انتهوا من معركة حامية الوطيس، خاصة إذا كان ضمن المدعوين أطفال كلما أفسدوا نظر إليهم والداهم نظرة زهو وإعجاب بهذا الفتح المبين! وتركاهم يعيثون في الأرض فساداً، وذلك الداعي يعض على يديه وينتظر لحظة الفرج مع إغلاق الباب خلف هؤلاء الثقلاء!ِ
وإذا صح تسمية هؤلاء الرفاق بالثقلاء، فمن «ثقالة» بعضهم دخولهم بحذائهم، الذي ضرب في الأرض بكل أجوائها ولامس التراب والمستنقعات والأسفلت ثم يدوسون بكل «بساطة» على بساط المسكين، بل يضعون رجلا على الأخرى بحجة «الإتيكيت»، الذي يمنع خلع النعال عند الدخول، ويقومون ويقعدون ويدهسون الأرض دهسا! ولولا الحياء وقرب الزعل من شراك نعل أحدهم لطلب منهم هذا الطلب البسيط «أخلعوا حذاءكم»
خاتمة:
ولأن من الأدب أنك إذا دعيت فأجب، وإذا طعمت فانتشر، ولا تحبس الناس، فقد عقد ابن عبد ربه في كتاب (العقد) بابا في الثقلاء أورد فيه: قالت عائشة -رضي الله عنها-: نزلت آية في الثقلاء (فإذا طعمتم فانتشروا في الأرض ولا مستأنسين لحديث).
@ghannia