محمد حمد الصويغ

أفكار وخواطر

يقول الناقد حازم القرطاجني في كتابه الشهير «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» للدلالة على التصاق القصيدة الجاهلية أو الشعر الجاهلي بالبيئة الصحراوية: (لما كان أحق البواعث بأن يكون السبب الأول الداعي إلى قول الشعر هو الوجد والاشتياق والحنين إلى المنازل المألوفة وألافها عند فراقها وتذكر عهودها وعهودهم الحميدة فيها.. وكان الشاعر يريد أن يبقي ذِكرًا أو يصوغ مقالًا يُخيّل فيه حال أحبابه، ويقيم المعاني المحاكية لهم في الأذهان مقام صورهم وهيأتهم، ويحاكي جميع أمورهم حتى يجعل المعاني أمثلة لهم ولأحوالهم، أحبوا أن يجعلوا الأقاويل التي يودعونها المعاني المخيلة لأحيائهم المقيمة في الأذهان صورًا هي أمثلة لهم ولأحوالهم.. مرتبة ترتيبًا يتنزل من جهة من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم، ويوجد في وضع تلك بالنسبة إلى ما يدركه السمع شبه من موضع هذه التسمية إلى ما يدركه البصر، فقد تقدم أن المسموعات تجري من الأسماع مجرى المرئيات من البصر فقصدوا أن يحاكوا البيوت التي كانت أكنان العرب ومساكنها، وهي بيوت الشعر؛ لكونهم يحنون إلى ادكار ملابسة أحيائهم لها واستصحابهم لها واشتمالها عليهم بالأقاويل التي يقيمون المعاني المنوطة بها مقام صورهم وهيئاتهم).

من هذه الكلمات التي أوردها القرطاجني يتضح بجلاء تلك العلاقة الوثقى بين الشاعر وبيئته الصحراوية، فهل يصح القول إذن بأن الإيقاعات الموسيقية الشاعرة التي جاءت في أوزان الخليل لها علاقة جذرية بحداء الإبل أو الحصان؟ وكيف يكون ذلك؟.. ولا شك في أننا إذا قمنا بتطبيق ما أورده الناقد القرطاجني في تلك الكلمات المختارة على بيئة العرب في جاهليتهم فإننا بذلك قد نشعر حينما نقرأ المعلقات على سبيل المثال أو بعضها أننا داخل خيمة كبيرة أو مجموعة من الخيام المضروبة، ولشعرنا من جانب آخر بأن الأوزان الرتيبة في الشعر العربي لها علاقة بالفعل بذلك الحداء.

mhsuwaigh98@hotmail.com