غنية الغافري

الكثير من السيدات عندما تمكنت من الطارة اعتقدت أنه ما مر في التاريخ قبلها ولا بعدها بخاصة إذا كنت تؤمن بكلمات الأغنية الرائجة «مسيطرة» وترى أنها تمثلها ! وبدت وهي تسترق نظرات من حولها تشعر بالزهو والاغتباط ولا تلام على ذلك فقد حلت القيادة للمرأة الكثير من التحديات وخففت أعباء مالية كثيرة استنزفها السائقون الأجانب وأصبحت الحاجة أكثر ضرورة لدى النساء في ظروف معينة كالمطلقات والأرامل والكبيرات اللاتي لم يكتب الله لهن تكوين أسرة وغيرهن خاصة مع عدم وجود معيل يقوم على احتياجاتهن أو وجود معيل «يعل القلب»، لكنها في الوقت ذاته دفعت الأزواج والأبناء والإخوان «للتسدح والتبطح»! وربما لتصدير المهام لها والتنصل منها ودفعها للقيام بمهام لا تستطيعها ولا تقوى عليها لكنه يبقى خيارها الذي يندرج تحت بند «غاوية شقا» وقد كنا في جلسة ودية مع بعض الصديقات نناقش هذا الموضوع فقالت إحداهن أتمنى أن أقود وزوجي يحثني على ذلك لكني أعرفه جيدا سيتكل علي في كل شيء وسيتفرغ للاستراحات والأصدقاء وسنكون على هامش جدوله لذلك لن أقود فإذا عجز زوجي سأنتقل أنا وبناتي إلى أبنائي الذكور «وش خانتهم»!

لكن الذي أجمع عليه الجميع في جلستنا التي تحولت لبرنامج تحليلي ! أن جلسة السيارة مع الزوج أو الأبناء جلسة لا تقدر بثمن ففيها تحل الكثير من المشاكل وتدار أكثر القضايا الأسرية تعقيدا وبسرية وأمان كامل كما تجد الأم أو الأب فرصتهما للحديث مع الأبناء ومعرفة مستجداتهم فالابن وهو يقف خلف الطارة ويركز في الطريق يمكنه أن يبوح بما لا يستطيعه في وضع آخر! كما أن في الاجتماعات العائلية التي تقام في السيارة ويحضرها أفراد الأسرة طواعية الكثير من المنافع والمكاسب بعيدا عن ضجيج الكافيهات ونظرات المتطفلين.

إن الأم حين تنعم بإيصال أبنائها لها والتكفل بهذه المهمة فهي تعينهم على برها وتعلمهم المسؤولية والانضباط ثم تربي فيهم القدرة والتعود حين يكونون مسؤولين عن أسرة فلا يشعرون بثقل المسؤولية أو كرهها بل يجدونها واجبا، إن الاكتفاء الذاتي للمرأة وقيامها على كل شؤونها يجعلها تبتعد عن أسرتها وتقلل فرص اللقيا بهم خاصة مع اعتكاف الأبناء في غرفهم وزيادة فرص النوم واللعب وهي فرصة لتطويل مدد خروجهم من البيت فلا مسؤولية تنتظرهم حتى جملة «وينك؟ أنا برا» ستنقرض ! وربما لن تحتاج الأم لرقم جوال ابنها ! وهو بطبيعة الحال لن يكلف نفسه سماع صوت أمه حتى لو لم يرها من شهر؟ لأن مهمة التوصيل كانت شاقة بالنسبة له و«هم وزال» لبعضهم خاصة إذا جاءت في عز النوم ! وإن كان البارون من الأبناء والإخوان يجدونها «تشريفا وليس تكليفا»!

إننا بحاجة لمزيد من فرص التواصل مع أفراد الأسرة ولمزيد من التربية على المسؤولية وتبادل المشاعر الصادقة وخلق الأجواء الحميمية.

وما أجمل الزوجين وهما يتجاوران في كابينة القيادة يشابكان أيديهما يتجاذبان أحاديث الوفاء ويتحاوران في مصالح البيت والأسرة ثم يعودان كطيور هادئة كأنهما لم يذوقا طعم الخلاف ! (وربما كانا متلاسنين قبلها !).

وهذا المشهد أفضل من مشهد الحقيني بسيارتك فتتباعد الأجساد والقلوب ! حتى الشارع أدرك هذه الحقيقة فنجد بائعي الورد وعقود الفل يتخطفون الإشارات الضوئية فقد درسوا مشروعهم جيدا واستشعرو جدواه!

وأخيرا لن نترك الطارة بعد أن تشبثنا بها ! لكن نحتاج من يسمعنا ولو مجاملة:

ما أذكرك وأنت الأميرة وتدرين

في بيتنا ما تسوق الأميرة

ما شالك الموتر تبي تشيلك العين

عيوننا من دون عينك سهيرة

@ghannia