سعود القصيبي

بينما كنت أتحدث مع أحد خبراء التنقيب عن الآثار أدهشني بالقول إن هناك تنقيبات أثرية بالمنطقة الشرقية أفادت بعمق المنطقة التاريخي وقبل بلاد الرافدين. وبينما ننتظر التفاصيل التي عادة ما تصاحب التنقيبات الأثرية بعد الانتهاء من أعمالها ومن ثم الإعلان عنها، نشعر بالفخر أننا بالفعل من أسسنا لبنات الحضارة على وجه الأرض. فالبعض وأنا منهم درسنا أن الحضارة بدأت في الهلال الخصيب بأسباب معثورات قديمة وجدت فبينت عن ذلك. إلا أن الدلائل مما عثر عليه بنواحينا أثبتت حسب ما ذكر الخبير أن رحلة الإنسانية بدأت عندنا وانتقلت شمالا ولعل الاكتشافات تتكاثر أكثر فأكثر لنعيد خارطة المعرفة.

من المعروف أن أول حضارة اكتشفت جاءت دلائلها في منطقة تل العبيد في العراق. هذه الحضارة وجدت ما يماثلها في الحقبة الزمنية في عدد من المواقع بالمنطقة الشرقية فمنها بمنطقة القطيف وكذلك في مدينة الخبر ومنها ما هو موجود في الأحساء. وربما ولا أحد يعلم بالتحديد إلا أنه يعتقد أنها ذات الحضارة والتي أسست لبنات فترة النبي نوح عليه السلام والتي قدمت لنا قصة الطوفان. تلك القصة التي تحدثت عنها المسماريات في بلاد الرافدين أنها انتهت في ما يعرف الآن بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين المتمثلة في حضارة ديلمون. وربما يأتي يوم نكتشف حسب ما ورد في تلك الألواح الطينية من الكتابات المسمارية المكان الحقيقي لرسو سفينة نوح كما ذكر في القرآن الكريم. فلا أحد يعلم لبعد الفترة الزمنية وليس هو بتركيا حسب ما أول بعضهم. وللتوضيح عن تلك الفترة الزمنية فإنها أتت بعد آخر عصر ثليجي بدأت تتقلص فيه الكتل الثلجية جاعلة شبه الجزيرة العربية واحة غناء بأمطارها وأنهارها وجداولها. حيث بدايتنا طورت أدوات من الحجارة ثم شيئا فشيئا بدأ الإنسان بترك الكهوف والعيش في منازل ومن تعلم أنماط النباتات وزراعتها والرعي.

وبالمقارنة بما اكتشف ببلاد الرافدين، يعود أقدم آثار حضارة العبيد إلى نحو 4000 ق.م، في حين يمكن إرجاع المعالم الرئيسة لهذه الحضارة في المنطقة الشرقية إلى نحو 5000 ق.م، أي قبلها بألف عام وذلك في مواقع عين قناص، والدوسرية وغيرها من المواقع الأثرية في المنطقة الشرقية. وعلى الرغم من قدم مواقع حضارة العبيد في المنطقة فإنها تميزت عن مثيلاتها في بلاد الرافدين من حيث صناعة الأواني النحاسية أو استخدام الأساليب الزراعية الحديثة. كما استمرت ثقافاتهم انطلاقا من ثقافات العصر الحجري الحديث مع التميز في صناعة الأواني الفخارية. كما أن أقدم أنواع الفخار المميز لحضارة العبيد عثر عليه في موقع الدوسرية جنوب مدينة الخبر كما تدل المعثورات الأثرية على أن ذلك الموقع قد هجر منذ نحو 4200 سنة قبل الميلاد أي من نحو 6000 عام. إلا أن ومع بداية الألف الثالثة قبل الميلاد شهدت المنطقة تطورا كبيرا في الاستيطان وقيام المستوطنات الكبيرة، وبخاصة في المناطق الساحلية بين الخبر والدمام وفي جزيرة تاروت والأحساء.

وكمثال تفصيلي عن المكتشفات الآثارية جاء بالتنقيبات بعين قناص بالاحساء أنه عثر بالموقع في طبقاته السفلى على أدوات صوانية ومواقد نار وكميات كبيرة من الأدوات الحجرية. كما اكتشف في بعض طبقات الأرض عند الحفر على بقايا عضوية لحيوانات ثديية كبيرة الحجم أمثال الحمار الوحشي، كما عثر على قطع عظمية من بينها الأسنان. ويعتقد أن الموقع ومن خلال المكتشفات يعكس أسلوبا لجماعات كان الصيد أساس حياتهم.

وفي نهاية سردي أود ذكر أنه يأمل الباحثون من زيادة التنقيب الأثري في تلك الفترة الزمنية وفي كافة المواقع المكتشفة بالمنطقة الشرقية التي تبين تلك الحضارة آملين فهم تاريخ البشرية وإعادة سطر التاريخ حيث بدأ راسمين من خلال المعثورات خريطة الإنسان والبشرية. ولعلنا نكتشف ما يمكننا من جعل تلك الحضارة بتسميتها «حضارة الأحساء» نسبة للاسم القديم للمنطقة والذي يشمل كاملها.

@SaudAlgosaibi