عبدالله العولقي

عندما كان الزعيم النازي أدولف هتلر يهدد أوروبا في الحرب العالمية الثانية، كان رئيس وزراء بريطانيا حينها ونستون تشرشل ينتظر دخول الولايات المتحدة الحرب بفارغ الصبر، فقد كانت واشنطن مترددة إلى حد ما، وبعد انتصار التحالف وهزيمة دول المحور، صرح تشرشل بأن الولايات المتحدة قد أصبحت القوة العالمية العظمى، وبعدها تشكلت علاقة إستراتيجية متينة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بما فيهم ألمانيا.

هذه العلاقة الإستراتيجية شكلت نوعا من الضغط السياسي والاقتصادي على أوروبا من جانب الولايات المتحدة، لا سيما في مرحلة صراعها التاريخي مع نظام الاتحاد السوفيتي السابق، ولهذه الأسباب تولدت فكرة تأسيس تحالف أوروبي جديد تتحرر من خلاله فرنسا وألمانيا وحتى بريطانيا من الهيمنة الأمريكية مع بقاء نمطية علاقات التعاون المشتركة، وقد أطلق عليه بالاتحاد الأوروبي، وقد كان إنجاز توحيد العملة (اليورو) في ذلك الوقت يعد خطوة اقتصادية رائدة عبرت عن نجاح فكرة التحالفات الإقليمية وقدرتها على مواجهة التحديات والظروف الصعبة.

هذه العلاقة التاريخية، تشهد هذه الأيام انعطافة حادة وصعبة قد تغير نمطية التحالفات الدولية في المستقبل، فقد خسرت فرنسا صفقة تجارية ثمينة مع استراليا بقيمة 56 مليار يورو لصالح الولايات المتحدة، وهذه الحادثة شكلت أزمة إعلامية ودبلوماسية عنيفة بين البلدين، ولا شك أن ولادة التحالف الثلاثي الجديد (الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا) أو ما يسمى باتفاقية أوكوس، وراء هذه الأزمة العالمية، فقد صرحت الرئاسة الفرنسية بأن ذلك يعد طعنة في الظهر من دولة يفترض أن تكون حليفة لنا، ويجب أن نعلنها صراحة بأن أوروبا لم تعد تثق بأمريكا كحليف استراتيجي يعتمد عليه، خصوصا بعد أن خذلت أمريكا حلفاءها الأوروبيين في قرار انسحابها من أفغانستان لصالح جماعة طالبان، فهي بذلك تسمح لعودة التهديدات الإرهابية لأوروبا والعالم من جديد !!.

منطقيا، فإن ردة فعل باريس ستكون في إعادة ترميم الاتحاد الأوروبي لمواجهة التحالفات الدولية الجديدة، ونجاح هذه الخطوة سيعتمد على نظام وفكر الحكومة الألمانية الجديدة بعد مغادرة السيدة ميركل، فبدون ألمانيا لا تستطيع فرنسا وحدها صناعة تحالف أوروبي قوي، فقد عانى الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة من إشكاليات اقتصادية ضربت العديد من دول الاتحاد، وقد ساهمت بذلك في إضعاف الحضور الدولي، بالإضافة إلى قرار بريطانيا التاريخي بالانسحاب من عضوية الاتحاد.

وأخيرا،، لا شك أن التوتر القائم بين أوروبا والولايات المتحدة سيؤثر على مناطق كثيرة حول العالم، يأتي في مقدمتها الشرق الأوسط وأفريقيا، ويتبقى السؤال الأهم: بعد تخلي واشنطن عن حلفائها الأوروبيين، هل ستلعب فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي أدوارا بارزة في طبيعة الصراع الكوني القائم بين الصين والولايات المتحدة؟، هذا ما ستبديه الأيام المقبلة.

@albakry1814