سعود القصيبي

اذكر ونحن صغار ومنذ زمن الطفرة كما كنا نسميها أن قيل إن أحد المسلمين استؤجر في فرنسا من قبل إحدى شركات الدجاج ليجلس على كرسي بجانب خط سير ذبح الدجاج الأوتوماتيكي ليسمي عليها وهي في خط سيرها للذبح ليصبح وفق الشريعة الإسلامية، وبالطبع كانت دعابة إلا أنا كنا نصدقها. وكنا في تلك الفترة أن انهالت علينا منتجات غذائية مستوردة من لحوم ودجاج ومعلبات لم نعلم بوجودها أو ترد لنا من قبل، فلم نعلم شيئا عن مصداقية ادعاءات المصنعين إلى أن ظل الموضع بالأذهان.

وعندما كبرت وتخرجت في الجامعة بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، قدر الله أن أسافر إلى ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة للسياحة. وكنت حينها كعادتي للتعرف على السلوكيات المجتمعية لسكان البلدان، التي أزورها، أن أذهب إلى السوبر ماركت لأشاهد ما تحتويه من منتجات وعلى أسعارها. ومن ملاحظاتي وقتها هو وجود عدد كبير من المنتجات الغذائية، الذي يحمل علامة «حلال» بأشكال وأنماط مختلفة، مما أثار فضولي لأبدأ رحلة بحث ومعرفة وما زلت.

وجاءت محطتي التالية في الأردن بعد أن وقّعت اتفاقية سلام مع إسرائيل حيث توافرت بعض المنتجات من فلسطين بموجبها. ومما علمته في زيارتي لعمان أن إسرائيل تمنع أية منتج غذائي أو حتى من عبوات فارغة له من الدخول إلى أراضيها إلا أن يكون «كوشر» كما يطلقون عليه. وهي طريقة ذبح عندهم وحسب ما قيل بإراقة الدماء كما نفعل ومن خلوها من شحم ولحم الخنزير ومنتجاته. كما أن لديهم إجازة تلك المصانع والمعامل مؤسسات مدنية لها شروطها من زيارات ميدانية للتأكد من توافق المنتجات مع شريعتهم.

إن الدين الإسلامي فيه من السماحة الكثير، وحسب دراستي لموضوع الذبح الإسلامي بأن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز نهى عن الأكل مما لم يسم اسمه عليه. ولتحقيق ذاك من الأمر الرباني أن سن فقهاء المسلمين مجموعة من الضوابط الوارد تحقيقها عند الذبح. فالله سبحانه وتعالى هو مَنْ خلق الروح وهو باسمه تأخذ وبحق الله تحصل المنفعة فلا يكون اعتداء. ولا يجب بالدين الإسلامي كمثال قتل الصيد للتسلية وهو من المحرمات إلا أن تكون عن دفاع أو لغرض الغذاء كمنفعة.

وسمح الله لنا في كتابه العزيز لنا كمسلمين الأكل من طعام النصارى واليهود، ففي الأمر رخصة إلا أن الزمن تغير كما مع طرق الذبح السريعة الأتوماتيكية ومن توجه، فما أصبح النصارى في زمننا يسمون على الذبائح أو يريقون دماءها وابتدعوا أساليب ووسائل جديدة له، فما كان حلالا ولأسباب محددة تغير. كما أنهم أيضا لا يرون بأسا من استخدام منتجات غذائية أساسها أو بها منتجات مصنعة من الخنزير. وكمثال للتحول اللاديني الأوروبي أن قامت فرنسا بموجب قانون جديد منع بإثره ذبح الدواجن بطريقة تتماشى مع المبادئ الإسلامية واليهودية. كما أيضا سنت قوانين مشابهة له في دول أوروبية أخرى كما في بلجيكا والسويد وبريطانيا وأيسلاند.

كما وردت علامات الذبح الحلال في المنتجات الآسيوية للتعبيرعن أن المنتج مسموح به وبموجب الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهذه المنتجات صالحة للأكل والشرب والاستخدام من المسلمين. وتمنح بالغالب شهادات مطابقة من منظمات وجمعيات إسلامية موثوق بها ومن شعارات محددة على المنتجات المجازة لتساعد على بناء ثقة المستهلك المسلم تؤكد فيه أن المنتج الغذائي هو وفق شروط الحلال كما في أحكام الشريعة الإسلامية. إلا أنها في ذات الوقت تؤكد لنا وجود خلل في المنظومة الغذائية من الخلط واللبس ومن سياسات عدم الإفصاح من المنتجين ولذا وجب التأكد. وقد سبق لوسائل الإعلام أن تحدثت عن إخفاء شركة أغذية أوروبية ذكر مستخلص من شحوم الخنزير يستعمل لديها في صنع الجيلاتين وضعته في ملصقها بأسماء وأرقام مضللة لم يكشف ولسنوات ورغم الفحص المعملي.

وكملخص من كل تلك السنوات الطوال من مشاهدات، في اعتقادنا أن وجود الإجازات بالحلال من جهات معتمدة محليا كما في هيئة الغذاء والدواء، وخارجيا من مؤسسات موثوق بها مهم للتأكد من سلامة الغذاء المستورد وحسب ديننا وشريعتنا الإسلامية الأمر، الذي إن تم سوف يعزز -بإذن الله- من ثقة المستهلك.

@SaudAlgosaibi