غنية الغافري

صارحني ابني أكثر من مرة برغبته في اقتناء قطة منزلية ذات مواصفات أوروبية بشعر أشقر وعيون زرقاء وقوام ممشوق كان يسرد تلك المواصفات اعتقادا منه أنها ستكون المدخل لموافقتي بيد أنه لو كان فطناً لاختار مواصفات خليجية أو حتى عربية لِقطة أحلامه لعلني أنظر في الأمر!

وبغض النظر عن عدم تقبلي لتواجد القطط كأحد أفراد الأسرة والبذخ في رعايتها إلا أنني لا أنكر على الأسر الحاضنة، فلها رغباتها وهوايتها وهي من الطوافين والطوافات، التي لم ينكر الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- تواجدها في المنازل وطوافها عليه، لكن هل كانت القطط في ذلك العصر تنعم بما تنعم به قططنا اليوم! وبالمقابل هل كانت مسلوبة الحقوق كما هي اليوم!! إن قطط المنازل لو قدر لها أن تعبر لاعتبرت ذلك النعيم سجناً! ولطالبت بكرامتها المسلوبة وحقوقها المنتهكة! فهي غير قادرة على تقرير مصيرها تجاه الحبس والتعقيم الإجباري وتفرقة الشمل!

الثقافة المجتمعية المتجددة و(الهبة)، التي تظهر بين الفينة والفينة تجبر بعض الأشخاص على مواكبتها، فهبة تربية القطط في نظري ربما تكون مناسبة للأشخاص، الذين يشعرون بالوحدة ويحتاجون لمؤنس في بيوتهم، حيث تتقمص القطط دور الصديق والابن المفقود، كما أن رعايتها يقتل الوقت الطويل ما بين إطعامها وتنظيفها وشراء مستلزماتها لكنها عبء لبعض الأسر، التي أضافت لعاملاتها هذا الدور (فلم ينقصهن من أعباء المنزل إلا القطط)!! فهي بالنسبة لمقتنيها بطلة التصوير فقط.

ولأني صوت من الأصوات غير المحبذة لإسكان القطط في محيطنا الأسري مقابل الكم الكبير للمنافحين، الذين لا يفتأون يذكرون المناقب والحسنات، فإني لا أرى فيها أي تبادل منافع على الأقل، فحتى الفئران، التي كنا نعول على القطط في التخلص منها اختفت! وفي تربيتها عبء واختلال في تربية الأطفال والتحول من التواصل الطبيعي مع البشر إلى فضاء إلكتروني وحيوانات صامتة! اقتربوا منها حد الحب والهيام! والبكاء المر لفقدها! كما أن فيها إساءة للضيف المصاب بفوبيا القطط وتعريضه للخوف والهلع وربما توقف القلب!!

المنازل الحاضنة للقطط يئن أثاثها الجميل من (الغضب) فلا بد للقطة أن تمرن عضلاتها وتحافظ على مخالبها وتترك رائحتها المميزة فيه، فلا ينفع مع نشاطها الطبيعي أي توبيخ، ففي كل زاوية خيوط (تنتشت) وثقوب بدت وخربشات لا حل لها إلا أثاث جديد ليس على حساب القطة المشاكسة، بل على ظهر رب الأسرة الحنون ولا سبيل للحد من شقاوتها وكبتها.

وتثبت الدراسات الأضرار الصحية لتربية القطط من خلال إفرازاتها كأمراض التنفس والجلد والجهاز الهضمي وغيرها.

وهي عبء للأسر محدودة الدخل، التي لم تجد من مشاهد الرفاهية سوى تربية القطط وتكبد ما لا تطيق من المصروفات، فالقطط طعامها الخاص وتربتها الخاصة وعيادات وتطعيمات وفنادق وإكسسوارات ومتعلقات كثيرة ليست في متناول الجميع، وقد كنت في زيارة لإحدى الأسر المحتاجة وتفاجأت برائحة غير محببة في المنزل بسبب وجود عدد من القطط، التي عبثت بطعامها المعلب في حين أنها تدعي الحاجة!

إن الرحمة بالحيوان من تعاليم ديننا الحنيف وإلحاق الأذى بها أو تحميلها ما يشق عليها محرم شرعا، لذلك أشعر بالتعاطف مع قطط الشوارع أكثر من القطط المدللة في البيوت، لا سيما أنها قطط مكافحة لم تذق طعم الدلال، بل تقاتل من أجل لقمة العيش، كما أنها لا تجد القدرة للتغير من شكلها بأي عملية تجميل كانت! فلا تجد من تلفته تدليساً! لذلك فهي قطط طبيعية 100 % لم تتعرض لأي تغير خلقي، بل إنها قد تصاب بكسر فتكمل حياتها به!

وفي نظري أننا لو كفلنا يتيماً واستطعنا أن نساهم في تربيته التربية الصالحة سنسهم بإذن الله في إضافة فرد مطمئن نفسياً نافع للمجتمع، ولن يكلفنا شيئا، فطعامه طعامنا وحياته حياتنا! بل سيضفي نكهة جميلة وسيكسر جدار الصمت في بعض الأسر، التي تبحث عن مؤنس ولن نكون سببا في الاختلال البيئي، الذي يولده حبس القطط في البيوت عن دورها الصحيح في فضاء الله الواسع!

ولم تر ميسون البحدلية للقط جمالاً فكرهته حين أنشدت:

لبيت تخفق الأرواح فيه

أحب إلي من قصر منيف

وكلبٌ ينبح الطراق دوني

أحب إليّ من قط ألوف

@ghannia